وهذا ما يجعلنا نعتقد أن اعتماد العرب على الوضوح في القصد والإبانة عن المعنى كان سبيلا في كل المداخل ومجالات الاستعمال الدلالي وذلك ما يحقق البلاغة والبيان في القول العربي، وما يؤدي الأديب والشاعر إلى (( إن يعمد إلى المعنى اللطيف فيكشفه وينفي الشواغل عنه، فيفهمه السامع من غير فكر فيه، وتدبر له ) ) [1] .
وقد تجسد ذلك في مبدأهم المعروف بـ (( الفهم والإفهام ) )أي الوضوح العام المطلق المعقود (( على قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة، وحسن الاختصار، ودقة المدخل يكون إظهار المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضح، وأفصح، وكانت الإشارة أبين، وأنور، كان أنفع وأنجح ) ) [2] .
وهذا ما جعلهم يحددون الأمور التي تغمض المعنى وتجعله عسر المأخذ، والفهم، وقد تمثل ذلك بكل ما خرج عن المستعمل والفصيح وأصل المعنى واختلف عن البيئة وتباعد أصله عن المحسوس، والذي لم تتحصل له السلامة في الوزن والحروف والجرس وأثر الوقع على الأذن وسرعة الاستجابة - والذي اتضح ذلك فيما ذكرنا بموضعه من البحث -.
وقابل مبدأهم ذلك عند النقاد واللغويين المحدثين (( الدلالة المركزية ) )التي اعتمدت على كل ما وفق مبدأهم كالثبوت، والوضوح النسبي في الأذهان العائد لما حدده المعجم الموضوع نتيجة لصحة المعاني الشائعة والمتداولة، لتمثل القاعدة والراسب الذهني لمعاني المفردات وألفاظها بما تجمع في العقل، ومقياس الصحة، أو الخطأ، أو التغير لما وافقها أو شذ عنها بحسب الوضع والذوق العربي.
(1) الصناعتين: 53.
(2) البيان والتبيين: 1/ 75.