الصفحة 350 من 384

يعد المجال البلاغي أفضل حيز لتناول الدلالة الهامشية، لما يستأثر به البلاغيون من غيرهم من اللغويين والنقاد باهتمامهم على نحو مميز بالدلالات الوجدانية والنفسية وما تحمله من إيحاءات يقع على عاتقها إبراز الوجهة الشخصية للشاعر، أو مؤلف النص الأدبي بما تدل عليه من معان خاصة تجسد الصورة التي يسعى إلى تكوينها الأديب.

ولا تستشف هذه الدلالة من خلال قاعدة لغوية، أو معيار نقدي، بل من التغلغل العميق في تحليل النص القائم على ملكة ذوقية مرهفة بإمكانها تحسس لمنعطفات النفسية والفردية للنص، واتساع فكري يستوعب المجالات البعيدة والتخيلية لعقلية الأديب المنعكسة في نصه بالتحليل الفني الدقيق لها.

لذا لا نجد لهذه الدلالة تسمية، أو مصطلحًا خاصًا بها لدى البلاغيين، بل نجدها في الإشارات الدقيقة لجوانب هذه الدلالة في تحليل النصوص.

ويشير البلاغيون في جوانب الدلالة الثانوية التي تبينت في فنون علم البيان ولاسيما الجانب التخييلي، والعلة البعيدة، وتثبت المعنى الى التجارب الذاتية، لذا يكثر في هذه الدلالة الاجتهاد، والقدرة على استرجاع التجربة الاعتيادية لبعثها من جديد بأسلوب خيالي.

ويشير العلوي إلى هذه الدلالة في المرتبة الثانية من المعاني، وهي المعاني (المقتضبة المخترعة) ، قال فيها: (( ما يوردونه [من المعاني] من غير مشاهدة حال فيجري عليها ولكن يقتضبونه اقتضابًا ويخترعونه اختراعًا ) ) [1] .

وهذه المعاني قد أوردها الشعراء من غير مشاهدة حال، وهي مقتضبة ومخترعة من خيال الشاعر بدوافع شخصية لم تستطع المعاني المألوفة تجسيدها.

ومثل العلوي لها بقول أبن الرومي [2] :

لما تؤذن الدنيا به من صروف ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد

(1) الطراز: ج1/ 190.

(2) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت