الصفحة 300 من 384

المعاني الثواني(معنى المعنى)عند البلاغيين:-

تتخذ دراسة الدلالة الثانوية لدى البلاغيين خصوصية عالية تمثل الدقة والمباشرة في التعبير عن عملية الإدراك الفني بحافز التطلع الجمالي التعبيري لابداع فكري جديد يستدل به على قوة فعالية اللغة ومرونتها القادرة على توليد طرائق بديلة في التعبير عن المفاهيم العامة والخاصة والغرض الوظيفي الذي تؤديه.

وتحتم هذه الطرائق البديلة الخروج عن المألوف اللغوي في اختيار القيم التي من شأنها ضمان التشكيل الصوري الفني الذي يلتقي فيه (الفكر والمادة) وتستثمرهما اللغة لتوظيف المعاني الموروثة بصور حرة جديدة تكون أكثر من مجرد كونها دلالية تتجاوز بها مرحلة التعريف بالأشياء أو المعاني.

ومن المهم التنبيه على فهم هذه الدلالة في الفكر البلاغي إلى إنها دلالة غير شخصية فهي ترتفع عن التفاهم بالأسلوب الاعتيادي ذي المعاني الأولية وتلجأ إلى أسلوب المحاكاة الذهني الذي يقترب من الواقع من دون التقيد بدلالته المرجعية ولهذا تأثير يجعلها في حالة اتصال مع الحقيقة.

ونجد هذه الفكرة قديما لدى البلاغيين القدامى في (علم البيان) الذي خصص لدراسته الدلالة الثانوية، وتعريف ابن الأثير (637هـ) بعلم البيان يعد تعريفا شاملا لطبيعة هذا الفن ومفهومه، قال:

(( إن موضوع علم البيان هو الفصاحة والبلاغة، وصاحبه يسأل عن أحواله اللفظية والمعنوية، وهو والنحوي يشتركان في أن النحوي ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من جهة الوضع اللغوي، وتلك دلالة عامة. وصاحب علم البيان ينظر في فضل تلك الدلالة، وهي دلالة خاصة، والمراد بها أن كون على هيأة مخصوصة من الحسن، وذلك أمر وراء النحو والأعراب ألا ترى أن النحوي يفهم معنى الكلام المنظوم والمنثور ... . ) ) [1] . فبتصنيف ابن الأثير بين ما يسأل عنه النحوي وهي الدلالة العامة من ناحية الوضع الفني والصحة النحوية، وبين ما يهم البياني وهي

(1) المثل السائر: ج1/ 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت