إن الممارسات النقدية التي قام بها النقاد العرب القدامى في اللغة هي التزامات تقليدية جرت على أسس دقيقة موضوعية، وأكثر ما تمثل لديها ذلك في موضوع (( الدلالة أو المعنى ) ).
لذلك نرى أن ممارسات النقاد جاءت متتابعة عميقة تستكشف الموضوع وجوانبه كافة ولما كانت الدلالة المركزية مستحصلة من استقرار اللغة، فهي تمارس سيطرة على الواقع ولا سيما في المراحل الأولى للعمل النقدي إذ (( إن القرائح العربية لم تزل صافية، فلا يتوقع أن يحدث خروج على قواعد العبارة أو تأليف الكلام ) ) [1] . ولقد رأينا مما سبق كيف حوَّط العلماء الدلالة المركزية بدراستهم لها، والتنظير فيها، وإعطائها مسميات مختلفة.
وقد حظيت هذه الدلالة لدى النقاد باهتمام متميز، فهي دلالة التفاهم بين الناس، وتعكس المظاهر والتقاليد الأصيلة في المجتمع العربي، وأساس لما تفرع من دلالات أخرى، وتعدُّ على المستوى اللغوي (( الإشارة للمرجعية التي تتلاشى في العلاقات السياقية ويتحول المعنى إلى وجود، وسط للدلالة على المدلول، بمعنى نمطا تمثيليا للإدراك ) ) [2] .
وهنا ما وظفه الشعراء في قصائدهم بتجسيد التجربة في أشعارهم من الناحية الدلالية وحددها النقاد العرب القدامى في معاييرهم النقدية لأن هذه الوظيفة الدلالية لهذه الدلالة المركزية تخلق مفهوما عن الواقع عوضا عن مجرد عكس الواقع.
وذلك ما بينه الناقد الأمريكي (جرالدل-بيرنز) Geraldl-Burns في كتابه (( الشعر الحديث ومفهوم اللغة ) ) [3] حديثا.
وبذلك وضَّح النقاد الدلالة المركزية في جوانبها من حيث (( اتفاقها، اختلافها، واجتماعها، وافتراقها، وتفصيل أجناسها وأنواعها، وتتبع خواصها ومشاعها، وابتكارها واحتذائها ومحاسنها وعيوبها ) ) [4] .
(1) النقد البلاغي عند العرب حتى نهاية القرن الرابع الهجري: 109.
(2) اللغة في الأدب الحديث: 42.
(3) يراجع في ذلك اللغة في الأدب الحديث: 43.
(4) اتجاهات النقد الأدبي في القرن الخامس الهجري: 293.