الفصل الرابع
الدلالة المركزية عند البلاغيين:
دراسة الدلالة عند البلاغيين باب واسع يغني الفكر والنظر بما ترتاح إليه النفس من الفن اللغوي البليغ بالوقوف على خصائص الأدب وتمييزه من غيره من أنماط التعبير باللغة. وكان المحور لهذا الوقوف هو البحث عن متهج يربط القيمة الفنية بأصول ثابتة، وقد ساعد في ذلك تبلور المادة البلاغية وكثرتها وتنوعها.
إن اللغة قادرة على أن تحدد الإحساس بقوتها الذاتية المستقلة لتجسد مداركنا منها بالتحليل والنطق والتنمط وتعتمد قدرتها على ربط معرفتنا بالأشياء عبر بعد الزمن. وهذه هي القوة في الدلالة المركزية المتداولة بين أفراد البيئة الواحدة لتضمنها عمق المعاني المرجعية.
ومن المعروف أن هذه الدلالة يعتمد وجودها على المعنى الذي يمكن إدراكه منها خلالها ولم يتغير هذا المعني لدى البلاغيين عن غيرهم من اللغويين، أو النقاد- إلا أن الجانب التطبيقي من البلاغة سلك نمطًا آخر من العمل تمارس به التجارب الأدبية ممارسة عملية تبدأ بالدراسة الدلالية بصفتها نشاطًا يبدأ بالجهد الفكري ولكنه ينتهي بالتجربة الجمالية رابطًا الاثنين معا.
والكشف عن نوع الدلالة أمر يعود إلى السياق الذي ترد فيه اللفظة فإذا طابقت ما فهم منها ضمن المعنى المعروف فهي الدلالة المركزية، وإذا اختلف المعنى اختلف نوع الدلالة.
ولا أحد يستعمل في حديثه مفردات معزولة لكي يؤدي معنى تامًا والمفردة المتمثلة بالسياق والقرائن تمنحها معنى مخصوصًا مؤقتًا في أثناء ذلك الاستعمال لا يلتبس مع بغيره من المعاني التي تحتملها في حال الإفراد، وهكذا في كل استعمال جديد.
والدراسة الدلالية هي دراسة في التراكيب اللغوية، وكثيرًا ما أكد ذلك البلاغيون ولاسيما عبد القاهر الجرجاني (474هـ) مبينًا طبيعة التوجه اللغوي على أنه مجموعة من العلاقات وعن ذلك يعبر قائلًا بـ (( إن الألفاظ التي هي أوضاع اللغة لم توضع