الصفحة 279 من 384

لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها من فوائد )) [1] وتتضح فائدة المعنى من تركيبه السياقي وأثره المطلوب.

ولهذا قال الجرجاني: (( ونظم الكلم ليس الأمر فيه(كنظم الحروف) لأنك تقتضي في نظمها آثار المعاني وترتبها على حسب ترتب المعاني في النفس فهو إذن نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض وليس هو النظم الذي معناه ضم الشيء إلى الشيء )) [2] . وبذلك تكون معاني التراكيب فكرة منظومة نفسيًا وعقليًا أولًا ثم أنزلت في نظم المفردات بعد ذلك.

وعلى ذلك لا تستطيع الكلمات تجاوز معانيها المرتبطة بظروف السياق، إلا أنها تعتمد على دقة الانتقاء للمفردة وما يجاورها ليحسن نظمه معها.

أي (( إذا كان معناك معنى لا يحتاج أن تصنع فيه شيئًا غير أن تعطف لفظًا على مثله. كقول الجاحظ: جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسبًا، وبين الصدق نسبًا، وحبب إليك التثبت، وزين في عينك الإنصاف ) ) [3] .

فهذه عبارات معناها مفهوم وهي متداولة بقصد الدعاء لم يصنع المتحدث فيها شيئًا سوى حسن النظم الذي اظهر معناها والإدراك التام للمعنى والإحساس الجمالي به هو ما يشغل البلاغيين، والدلالة المركزية تمثل المعاني المعروفة المتواضع عليها، وفهمها مباشرة من نصوصها يكون عمقًا معينًا من الإدراك الحقيقي للأشياء وجزءًا من الوعي تناوله البلاغيون من حيث الحقيقة المتأتية من المواضعة في هذه الدلالة التي تمثل مستوى مشتركًا شائعًا بين الناس يسمح لهم بالتفاهم والتعبير عن أمورهم العامة، وقد نص عليها كثير من البلاغيين وبينوا خواصها.

وأشار العلوي (322هـ) صاحب الطراز إلى أهم صفة في هذه الدلالة وهي اشتراك مختلف الناس في فهمها قال: (( أعلم إن الذي عليه علماء الأدب من أهل اللغة وعلم الإعراب وهو الذي تحول عليه جماهير الأصوليين أن دلالة الألفاظ على

(1) دلائل الإعجاز: 415، ط: دار المنار: 1366هـ.

(2) دلائل الإعجاز: 44.

(3) دلائل الإعجاز: 76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت