الفصل الثالث
الدلالة المركزية والهامشية عند النقاد:-
إنَّ عملية التحليل الدلالي هي في حد ذاتها عملية عقلية تحاول الوصول إلى ترجمة منطقية للمعنى مقبولة ذهنيًا في واقع إطار التداول، (( إذ مجرد نطق الكلمة يدل على شيء ما، فيحدث في الفكر حركة ما ) ) [1] وقد يفهم المعنى ضمن المعاني الأساسية المشتركة أي (الدلالات المركزية) ، أو ضمن معنى فردي نفسي خاص أي (دلالة هامشية) .
وإن المادة اللغوية المعبرة عن تلك الحالات الذهنية النفسية سواء كانت عامة، أم خاصة قد صيغت على هيئات نصوص إما شعرية أو نثرية. وهي مادة النقاد في عملية التحليل الدلالي والبلاغيين في وضع المعايير الجمالية للمفردات اللغوية.
والنقد يبدأ في لحظة اختيار المعاني الواحدة دون الأخرى في ذهن منشئ النص الأدبي (( إذ لا يكاد الناس يشعرون بأنهم يفضلون كلامًا على آخر حتى يبدأ النقد عمله ) ) [2] ، أي أن النقد ليس عملًا ذاتيًا، بل هو ثنائي لا انفصال له عن البلاغة، فالأدب هو موضوع النقد، وقد عبرت المصطلحات الحديثة عن ذلك المفهوم القديم بـ (النقد الأدبي) ، أو (النقد البلاغي) وتتخذ المعايير البلاغية الفنية في (( الكشف عن جوانب النضج الفني في الإنتاج الأدبي وتمييزها من سواها على طريق الشرح والتعليل، ثم يأتي بعد ذلك الحكم العام عليها ) ) [3] . وبذلك يتضح سبب الترابط والتداخل الوثيقين بين النقد والبلاغة واتحاد غايتهما وهي (( الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المقصود ... . وتمييز الكلام الفصيح من غيره حتى نضمن سلامة العبارة من الخطأ والتعقيد ) ) [4] وذلك كله من أجل الارتقاء بالنصوص إلى مستوى راقٍ في أداء المعنى متضمنًا القيم الجمالية للفن اللغوي، ويتحقق بهذا هدف
(1) النقد الأدبي الحديث، د. محمد غنيمي هلال: 10.
(2) قواعد النقد الأدبي، لاسل ايركرومبي: 6.
(3) النقد الدبي الحديث: 11.
(4) الأسلوب، احمد الشايب: 7، وينظر كذلك فن البلاغة، د. عبد القادر حسين: 74 - 75.