النقاد والبلاغيين، الذين طالما تداخلت مؤلفاتهم في ذلك وتنوع التأليف لدى الناقد، أو الأديب منهم.
والتعامل مع دلالات المعنى مسألة غاية في الدقة لكثرة المعاني وتشعبها، إذ ليس من السهل جعل المعنى مقبول الاستعمال ذهنيًا ولاسيما في المستوى الأدبي من اللغة وذلك لصعوبة (( حصر المعاني بقوانين كلية تستوعب أقسامها، وتستوفي أحكامها فعسير، لأنه يحتاج إلى تقديم صناعات كثيرة، وعلوم شاقة ) ) [1] ، ومع ذلك نهض بها العلماء لإدراك الفعالية اللغوية.
أدرك النقاد والبلاغيون خصوصية لغة الأدب عن لغة التفاهم الاعتيادي فميزوا بينهما في عملية التحليل الدلالي ووضع المعايير وتعد هذه الخطوة الأولى والأساس في عملهم وهذا ما أقر به بعض اللغويين المحدثين نظرياتهم اللغوية بتمييز اللغة من الكلام [2] .
والمستوى الأول من اللغة يمثل اللغة المستعملة والمألوفة من المفردات التي تخدم الإدراك العام المهتم بنقل الحقائق والمفاهيم الموضوعية المعلومة من مصدر اكتسابها وهو المجتمع في صيغ متكررة الاستعمال ليس للحالة النفسية والتصورات المجردة دور فيها مما يجعل معانيها مقبولة لدى أفراد المجموعة اللغوية وهذا ما يمثل (الدلالة المركزية) في ضوء البحث، ولو صح لفرد أن يجد لغة تفاهم خاصة به مع الآخرين لما وجد من يفهمه [3] .
أما المستوى الثاني (اللغة الأدبية) فهي لا تمثل نمطًا معينًا من الاستعمال، بل تسعى إلى تحويل المفاهيم والمفردات المألوفة إلى معانٍ جديدة تبرز حيويتها الفنية والإبداعية بما تملكه من إمكانيات بلاغية أغنى من الأولى، ومجالات تطبيقية أوسع على الرغم من عمومية الأولى، كما أنها تمنح ذات الأديب وخصوصيته
(1) قانون البلاغة: 411.
(2) ميزت بعض الدراسات الحديثة بين اللغة والكلام، فقد عدت اللغة المفردات التي اكتسبها العقل الجمعي ويتداولها أما الكلام فهو ما يختاره الأفراد في التعبير عما يرغبون في قوله أي له مظهر فردي قصير الزمن يتعلق برغبة المتكلم في ترتيب المفردات (ينظر علم اللغة العام) ، لفريناند دي سوسور: 37.
(3) ينظر: اللغة والمجتمع: 5، وقضايا النقد الأدبي والبلاغة: 15.