الفردية النفسية متنفسًا في تصوير عوالمها، ومع ذلك كله لا يخرج الأديب عن القواعد اللغوية خروجًا مبالغًا فيه، ولا يلتزم بها كل الالتزام في الوقت نفسه.
وبذلك أصبح تمييز هذين المستويين من بعضهما هو جوهر العملية النقدية حتى إن (( استكشاف الطريقة التي يستعمل بها الأديب الألفاظ والاهتمام بتمييز تلك الطريقة من صور النقل العادية الأخرى في اللغة قد قاد النقاد في عدد من الاتجاهات ) ) [1] .
ومحور جوهر العملية النقدية في تحليل اللغة هي تلك (المفارقة) اللافتة لنظر الناقد بطريق الإحساس بالتغير والتطور في الأسس المرتكزة عليها كالذوق العام، أو التقاليد الاجتماعية، والفنون الأدبية، أو المفاهيم الأخلاقية والدينية، أو في المراحل الثقافية في كل مرحلة.
ومن الجدير بالذكر أن هنالك معاني أخرى غيرها استعملت في التعبير عن المعاني العامة بغير أسلوبها المعروف، أو المباشر ومن دون خصوصيات فردية قد تبهم الغرض منها، بل بفنون بلاغية ترتقي بفن القول وتضفي عليه المتعة الفنية وتمثل هذه المعاني الثانوية، أو الإضافية، فن الكتابة، والاستعارة، والتورية، والملاحن، والمجاز ... وغيرها.
وقد وجد النقد الأدبي الحديث في الدلالة نقطة تقاطع في العلاقات بين اللفظ، وسياقه اللغوي بالبحث عن نوعية العلامة الرابطة بين حدث التعبير، ومدلول محتوى صياغته بمعنى النظر إلى بلاغة المضمون ممتزجًا بالشكل الفني الذي يحتويه، وعلى أنهما شيء واحد في عملية إيضاح المعنى وتقويمه والخلق الفني التي أعطت للعمل المضمون [2] . وهو ما سمي بـ (( الوظيفة التفسيرية للنقد ) ) [3] .
ومن الوسائل التي ساعدت النقاد بخاصةٍ والبلاغيين عامة في إنجاح هذه الوظيفة هي استثمارهم لعمليات الفكر الإنساني في تنشئة العمل الفني وتفسير دلالاته ونقدها بمستوى ذوقي رفيع، ومعنى ذلك أن النقد كان بعامة نفسيًا، إذ (( أن
(1) مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق، ديفيد ديتش. ت. محمد يوسف النجم: 258.
(2) ينظر: النقد والحداثة: 35/ 36 والنقد البلاغي عند العرب حتى نهاية القرن السابع الهجري: 107.
(3) النقد الفني: 207.