يبقى حيز الواقع المادي المصدر الاستدلالي الأساس لما ينعكس على الإنسان من تصرفات ظاهرية أو أفكار داخلية بكل أنواعها عامة وخاصة كلية وجزئية أو لغة تعبيرية تسيطر على كل تلك العمليات بكفاية وسهولة عالية.
فالمستوى المستقر من المعاني العامة التي توصل إليها علماء اللغة في (الدلالة المركزية) هي من جذور مادية محسوسة صقلها الاستعمال لتكون القاعدة لانطلاق العقل العربي لا لجموده عليها كما أراد من تعصب للتمسك والوقوف عند تلك المعاني.
فجاءت انعكاسات التأمل الذهني في الواقع على نحو معان إيحائية حساسة، تحمل رهافة الروح الفنية المتحسسة لدقائق الملموسات لتجمع هذه الأطراف ومكون صورة معنوية عالية الاستيعاب متجسمة في أصل الواقع الذي أضيفت إليه تلك الصور المعنوية منحته حرية أكبر بذلك التدخل البلاغي الفني المعروف بـ (( المجاز ) ).
وبهذه الحقيقة (الوضع الأول) أصل في المجاز اللغوي (الوضع الثاني) أو الإضافي من الناحية المعنوية للتعبير عن مدى أبعد من المعاني الأولى بفعل التطور الذوقي لمستعملي اللغة ولا سيما أدباؤها. فهم يسعون دائما إلى إبراز المستوى الجمالي من خلال اللغة الشعرية التي لا تتوسل بالكلمة المباشرة في التعبير عن إضافتها الفنية كونها لغة انفعالية تحول بينك وبين الانزلاق في عملية تجريدية )) [1] . ولهذا انفصلت اللغة العادية عن اللغة الأدبية وهو انفصال جزئي.
فالدلالة الإضافية هنا تنتقل من الثانوية إلى معنى بؤري مركزي عن طريق إمكانيات التعبير اللغوي التي تحيل مفردات هذه الدلالة من صيغ مؤقتة إلى صيغ مؤثرة لنقل أفكار كثيرة على نحو جديد أثرت فيه قوة تغير المجال الدلالي بوضوح.
الترجمة نقلا عن نقد الشعر، قاسم مومني: 367.