الصفحة 192 من 384

وتظهر هذه الدلالة لدى النقاد -والبلاغيين كما سنرى- في موضوع المجاز الذي تأخذ فيه هذه الدلالة المرتبة الأولى بظلال المعنى الذي يدخلها بطريق الاستعمال المجازي، لا على سبيل الأصل اللغوي.

وقوة تغير المجال الدلالي في المجاز تتمثل في تجاوز المعنى الأصلي للمفردة إلى الظل الذي يلقيه عليها المجال الداخلة فيه من الفنون المجازية كالاستعارة، والتشبيه البليغ، والكناية. وذلك الظل الملازم للمعنى الأصلي هو الذي يصور المعنى وتصوره كاملا.

ففي هذا الاستعمال تبرز أهمية المعنى الثانوي مستندا إلى المعنى الأساس والذي من دونه يبقى المعنى مبتورا فعن طريق الثانوي الحسي ننقل إلى المعنى الأساس المعنوي بإضافة بلاغية فنية، ويدل ذلك على تلازم الدلالتين بصفتها جزأين متكاملين ومتجاورين.

وهذا ما جعل الجاحظ منذ وقته يتنبه إلى تقييم هذا الباب في الأدب العربي بقوله: (( وهذا الباب هو مفخر العرب في لغتهم وبه وباشباهه اتسعت ) ) [1] .

وقد وضح الجاحظ المجاز باختلاف دلالات الألفاظ فقال: (( فللعرب أمثال واشتقاقات وأبنية، وموضع كلام يدل عندهم على معانيهم وإرادتهم -أي المعنى الأول- ولتلك الألفاظ مواضع أخر -الاستعمال المجازي-، ولها حينئذ دلالات أخر -(المعاني الثانوية) -، فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب والسنة والشاهد والمثل، فإذا نظر في الكلام وفي ضروب من العلم، وليس هو من أهل هذا الشأن هلك وأهلك )) [2] .

ويستدل على ذلك يقول الشاعر:

إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا

فزعموا أنهم يرعون السماء قاصدين بها (النبت) ، وأن السماء تسقط أي (المطر) [3] وقوة التخيل الشعري في هذا النوع من الدلالة هي التي تثير انفعال العقل

(1) الحيوان: 5/ 426.

(2) الحيوان: 1/ 153.

(3) ينظر: الحيوان: 5/ 425.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت