من اجل بعث صوره المختلفة وتكوينها تكوينًا جديدًا بمثل أحد فنون المجاز وهذا ما قد تحدث عنه الفارابي الناقد (339هـ) ، على نحو أظهر فيه دور تلك القوة والتي تبدأ منن المرحلة الثانية فيها وهي حفظ الصور الناتجة من الإدراك الحسي الأول، إذ يقول: (( وثاني هذه القوى(الخيال أو المصورة) ومهمتها حفظ ما يقدمه إليها الحس المشترك من الصور المتأدية إليها من الحواس الظاهرة )) [1] . وتتمثل وظيفتها في القوة الثالثة (( المتخيلة أو المفكرة ) )ووظيفتها (( استعادة صور المحسوسات المختزنة في الخيال أو المصورة، ثم إعادة تشكيلها في هيئات جديدة لم يدركها الحس ) ) [2] . أي أن هذه القوة الثالثة هي التي تؤلف المعنى الابتكاري الحادث من الادراكات السابقة مع قوة التخيل.
على أنه يسمي ما يقابل الآن المعنى الثانوي (ظلال المعنى) بـ (( القوة الوهمية ) )كونها تشخص، وتحدد المعاني الجزئية الإضافية على المعنى الأصل، وهي (( التي تدرك من المحسوس ما لا يحس مثل القوة في الشاة إذا تشبحت صورة الذئب في حاسة الشاة فتشبحت عداوته وردائته فيها، إذ كانت الحاسة لا تدرك ذلك ) ) [3] .
ونلحظ أنه كان دقيقا في تحديد موقع هذه المعاني من العقل كما هو محدد في اللغة، إذ جعلها في المرتبة الوسط بين قوى الإدراك وهما طرفا الحسية والتجريد، (( وهذا الموقع للقوة المتخيلة يظهر توسطها ما بين الحس والعقل ) ) [4] .
أي أن الصورة الثانوية (المعنوية) المتطورة عن (الصورة المادية الأولى) لا بد أن تحتفظ بجزء من الأصل الأول القابل للتطور في ظل قدرة العقل على التخيل التي جعلته أكثر تحررا في عملية تجريد صور المحسوسات، ومكنته من إعادة تشكيل تلك الصور المادية بشكل هيئات جديدة تميزت عن الإدراك الحسي [5] . وعلى هذا الأساس تستطيع الألفاظ تجاوز معانيها المركزية إلى الإضافية.
(1) الفاراي: كتاب الفصوص: 12.
(2) الفارابي: المدينة الفاضلة: 51 - 52،54.
(3) الفارابي: الفصوص: 12.
(4) الفارابي: المدينة الفاضلة: 72.
(5) ينظر: الصورة الفنية في التراث البلاغي وانقدي: 45.