ذكروها وحددوا ملامحها إلا أنهم لم يحتملوا تطبيقها في الشعر لأنهم عدوها خارجة عما التزموا به من معان أساسية لذلك جاءت هذه الأمثلة من الدلالة الهامشية ضمن مؤاخذات واستدراكات النقاد. وأصبحت حاجزا بينهم وبين فكرة تفهم هذه الحالة النفسية الخاصة الطارئة وتدراسها في وقت معين له إمكانية زعزعة القيم التي آمن بها الشاعر، لكن في لحظات معاناته الفردية اختلفت رؤياه النفسية لما عهده فاختلفت معانيها لديه. ولا يعني ذلك أن الشاعر فقد أصالته وإنما الأصالة أصبحت مع حالة الشاعر النفسية تلك كما وصفها الناقد الإنكليزي (( هولم ) ): (( بأنها ليست إلا عيوب اللغة التي تجعل الأصالة ضرورية ) ) [1] . فهي إذن ليست ضرورية في كل الأحوال ولهذا يقول (مالا رمية ) ): (( إن الشعر وجد لكي يعوض القصور الموجود في اللغة ) ) [2] . وحقيقة هو ليس القصور في اللغة، وإنما في المفترضين قيودا عليها تحد من مرونتها العالية. وهذا في الوقت نفسه ما يجعل الشاعر يخالف المألوف بتسليط الضغط على أعراف اللغة لجعلها تتلاءم مع المعنى الفردي الذي يحمله في ذهنه.
وبعد فلم يأل النقاد جهدا في دراستهم الدلالية، وتابعوها متابعة أدبية تبنت بيان الأنماط المعنوية وسمات كل منها وحدود أبعادها بكل تفرعاتها، لتميز صحة مسارها الذي يطلبونه عن الخطأ الذي يخالف ما هو مرسوم له.
ولذلك نجد أن الناقد يسعى جاهدا إلى أن (( يتعدى بيان الجمال، أو القبح في النص إلى الدعوة إلى نمط معين من الأدب غير موجود فمهد له بالدعوة والشرح والحث ) ) [3] . بمعنى محاولة تسويخ وجود الدلالة.
(1) اللغة في الأدب الحديث: 123.
(2) المصدر نفسه والصفحة نفسها.
(3) في النقد الأدبي، د. كمال نشأت: 126.