ونلتقي اليوم الطويل وقد ... صرت جنادبه من الظهر
فقد قصد بالظهر: الظهيرة من النهار إلا أن الذي أتاح للشاعر أن يستعمل كلمة الظهر بمعنى (حر الظهيرة) ، وليس الوقت المعلوم بحسب الدلالة المركزية المعروفة لتسمية هذا الوقت من النهار أن اشتداد الحر يكون في هذا الوقت وهذا ما جعل بينهما تلازما ولو في جزء من المعنى.
وبعد فالدلالة الهامشية في مفهومها وأثرها، قد مثلت منطقة ظلال الأفكار لدى الشاعر من المعاني المعروفة المتداولة جسد فيها خصوصيته وحقق فيها ما يراه منفسا عن دواخله بالتجربة الفعلية أم لغيرها أي بالمتابعة أو المعايشة، ويهمه من ذلك كله إدراك المحيط الذي حوله، ولا يكترث فيما إن كانت غريبة أو مخالفة للمألوف. لأن تجربته الموضوعة في نصه تحمل صدقه في الانفعال مع التجربة تمكنه من إيصال ما يريده إلى المتلقي من دون أن يشعره أن هذه ليست تجربته الشخصية، لذلك تبقى هذه الدلالة متعلقة بمنتجها.
وبتجديده صورة المعنى يضيف إليه (( انفعال اللذة الذي يولده النشاط التلقائي لملكاته. وهذه الحالة النفسية هي التي تخلق كلا موحدا يولد اللذة في نفوسنا وبهذا تمثل الدلالة الهامشية من حث الاستعمال اللغوي أقوى مجال للدلالة لكي يجسم الأسلوب الخاص الذي يبين طريقة تفكيره -أي الكاتب- ونظرته إلى الأشياء وتفسيره لها، ولهذا يكون الأسلوب فيها (( انحرافات مبررة ما كانت توجد لو أن اللغة الأدبية كانت تطبيقا كليا للأشكال النحوية الأولى ) ) [1] .
ومن هنا نفهم دعوات النقاد والمحدثين للشاعر بأن (( يزحزح اللغة عن مواقعها ) ) [2] ، أي استبعاد المعنى المعجمي المستهلك واستعمال المفردة استعمالا جديدا فيه مناح جديدة ولا سيما المنحى النفسي.
بعكس اتجاه النقاد القدامى الذين أغفلوا هذا الجانب المهم من جوانب النفس الإنسانية ولا سيما عند الشاعر، كما إنه من أكثر الجوانب تقلبا وتغيرا، فهم وإن
(1) النقد والحداثة: 55.
(2) الشعر كلغة بدائية / جون كرورانوم، ضمن كتاب الأديب وصناعته: 103.