فضيلة الدلالة الخاصة غير دلالة النحوي، قد حدد معالم الدلالة الثانوية التي سماها بالخاصة لاتخاذها سبل تعبير غير مباشرة. ولذلك كان أحيانا يطلق عليه (علم المعاني) ، أو (علم المعاني والبيان) معا [1] .
وقد عرفه السكاكي (626هـ) قائلا: (( علم البيان هو معرفة إيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه وبالنقصان بالدلالة الوضعية غير ممكن ... .. وإنما يمكن ذلك في(الدلالات العقلية) مثل أن يكون لشيء تعلق بآخر، ولثان ولثالث، فإذا أريد التوصل بواحد منها إلى المتعلق به، فمتى تفاوتت تلك في وضوح التعلق وخفائه، صح في طريق إفادته الوضوح والخفاء )) [2] .
ويتابع القزويني [3] (739هـ) في رأيه ما قاله السكاكي. والتطور الحاصل في مفهوم البيان الذي تبين في تعريف السكاكي جاء في اتخاذ الدلالات العقلية وسائل تورد المعنى الواحد بطرق مختلفة حددت مستوى المعنى الثانوي في عمله الدلالي كما سمحت لخيال الشاعر وذهنيته، أو المنتج الفني نثرا، أو نظما بتجاوز الحدود المنطقية للمعاني المسلم بمفاهيمها ليوظفها من جديد فيما يولده في ذهنه من تركيبات معنوية فنية جديدة وبالتأكيد عند تحول العملية المعنوية إلى مجال الدلالة العقلية التي تمثل سعة اختلاف المستويات الذهنية للأدباء، ستتفاوت وتتفاضل التشكيلات الصورية التي كونوها.
ولا يعني فسح المجال أمام خيال الشاعر أنه سيكون بديلا من العقل -أي الأفكار المعتمدة في فهمها على العقل لا الخيال الفني- بل ستكون نسبته قليلة في الصورة الفنية. لأن الكلمة هنا سوف لا تأخذ معناها الحقيقي فقط، أو تكرره بل ستؤلف معه لتكتسب الخاصية التي يدركها الخيال وجودا حقيقيا فيه. وهنا تتجسد الدلالة الثانوية المطلوبة في علم البيان، على اختلاف الطريقة البيانية التي تظهر الدلالة الثانوية باختيار دقيق للمفردات التعبيرية التي تكون تركيب المعنى الثانوي مع تناسب معنوي يمكن اللفظ من إيصال المعنى بخيال الشاعر، أو الأديب على أن لا
(1) الطراز، العلوي: 91، مطبعة المغتطف-القاهرة 1914م.
(2) مفتاح العلوم: 77، 156، (مطبعة الحلبي-القاهرة 1937) .
(3) الإيضاح في علوم البلاغة: 170.