يغمض المعنى ليتحقق الغرض البلاغي منها. وعلى هذا اجتمعت الفصاحة والبلاغة في علم البيان لذلك فـ (البيان في عرف الكلام أتم من كل واحد من الفصاحة والبلاغة، لأن كل واحد منهما من مادته، وداخل في حقيقته ولذلك قلنا(علم البيان) وتكلمنا فيه في الفصاحة والبلاغة غيرهما، ولم يوضع علم للفصاحة ولا علم للبلاغة )) [1] .
وعند عبد القاهر الجرجاني (741 - 474هـ) : (( إن ألفاظ البلاغة، والفصاحة، والبيان والبراعة وكل ما شاكل ذلك إنما يعبر به عن فضل بعض القائلين على بعض من حيث نطقوا وتكلموا وأخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد، وراموا أن يعلموهم ما في نفوسهم، ويكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم ) ) [2] .
وقد أدخل بعض البلاغيين (علم البديع) تحت تسمية (علم البيان) ذاهبين في ذلك إلى تغليب البيان المتبوع، وهو عندهم علم البيان لاجتماع البراعة في صيغة فصيحة بليغة -كما ذكر الجرجاني في نصه- على البيان التابع، وهو عندهم (علم البديع) لأن البديع هو الشيء الذي يستحسن لطرافته وغرابته، وهذه العلوم كذلك [3] .
ومن الطبيعي أن يحصل هذا التداخل بين علم البيان وعلمي المعاني والبديع فهذه العلوم تمثل الأساليب البلاغية في الأداء المعنوي، كذلك علم البيان بطبيعته الدلالية يجمع بين العلمين من حيث الصحة المعنوية في علم المعاني والفنية الدلالية من حيث علم البديع الذي خصص فيما بعد للمعاني التي هي أبعد من المعاني البيانية الثانوية.
لذلك فهو أخص هذه الأساليب في تحقيق البلاغة الدلالية لفظا ومعنى (( والتي هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته، ومقتضى الحال مختلف لأن مقامات الكلام متفاوته ) ) [4] .
(1) الأقصى القريب، التنوخي: 33.
(2) دلائل الإعجاز: 35، (دار المنار القاهرة، 1367هـ) .
(3) ينظر: شروح التلخيص: 1/ 151.
(4) الإيضاح في علوم البلاغة: 7.