وإلا فما يبكيه منها وإنه ... لأوسع مما كان فيه وأرغد
وإذا أبصر الدنيا استهل كأنه ... بما هو لاق من أذاها يهدد
ويتضح من قول أبن الرومي ضيق حالته النفسية وانعكاسها على نظرته للحياة حتى أنه علل بكاء الوليد ساعة ولادته لمعرفة منه بما في الدنيا من مصاعب وأزمات.
ومن المعلوم أن هذا التحليل مستحيل إلا من عقل الشاعر وإحساسه المجروح، ولاسيما أن أبن الرومي بصير منذ ولادته بحسب ما هو معروف. لذا تعد هذه المعاني صادقة فنيًا ولوجودها في روح الشاعر، فقد أوجد سببًا لم يكن معروفًا قبل اختراعه.
لذا فـ (( الصورة النفسية التي يصورها الشاعر حين يفكر تفكير تنم عن عميق شعوره وإحساسه، وفيها يرجع الشاعر إلى اقتناع ذاتي، وإخلاص فني ) ) [1] .
ومن المخترع أيضًا قول المتنبي [2] :
اجزني إذا أنشدت مدحًا فإنما ... بشعري أتاك المادحون مرددا
ودع كل صوت بعد صوتي فإنني ... أنا الصائح المحكي والآخر الصدى
فالمتنبي أراد أن يبين صدق مديحه وإخلاصه للممدوح على نحو متميز حتى إنه أراد من الممدوح أن يستمع لصوته فقط.
وكان تمييزه لنفسه أنه عبر عن أصوات المادحين الآخرين بأنها مجرد صدى مردد لكلام قد لا يشعر به لذلك لا يكون صادقًا، وأن صوته فقط هو الصوت الحقيقي الصادق لما يقوله. فقوله إن الأصوات الأخرى (صدى) هو من قبيل إحساسه وتصوره البعيد تمييزًا لنفسه وتفردًا بصدق الإحساس في مدح الممدوح. مقتضبًا وصفه للأصوات القريبة بالصدى من رجعها في المدى البعيد تهوينًا من صدقها. ويؤكد هذا ما أشار إليه في البيت الأول من استحقاقه الجزاء الجيد لما أنشده من المدح وردد من بعده.
(1) المدخل إلى النقد الأدبي الحديث، د. محمد غنيمي هلال: 352.
(2) الطراز: 190.