الصفحة 352 من 384

ويتضح في هذه الدلالة أنها تمنح الشاعر مطلق الحرية في ألفاظه ومعانيه وصياغتها في نظام دلالي مبتكر يخرج على الدلالات المعروفة بفضل شاعريته المرهفة التي تمكنه من أحداث الأثر النفسي عند المتلقي، وبذا (( يتمكن الشاعر بفضل هذه المواهب أن يعرض حقائق الطبيعة والعواطف الإنسانية عرضًا حيًا، وأن يصلح منها ويعد لها ويضيف إليها انفعال اللذة الذي يولده النشاط التلقائي لملكاته. وهذه الحالة النفسية هي التي تخلق كلًا موحدًا يولد اللذة في نفوسنا ) ) [1] .

ونجد الدلالة الهامشية عند عبد القاهر في (التخييل) [2] وهو الخروج إلى صورة لا أصل لها في الواقع ونجد أن الشاعر يتخيلها لشيء في نفسه.

ومن لطيف هذا النوع قول أبي العباس الضبي:

لا تركنن إلى الفرا ... ق وإن سكنت إلى العناق

فالشمس عند غروبها ... تصفر من فرق الفراق

قال عبدالقاهر الجرجاني: (( أدعى لتعظيم الفراق أن ما يرى من الصفرة في حين يرق نورها بدنوها من الأرض، إنما هو لأنها تفارق الأفق الذي كانت فيه، أو الناس الذين طلعت عليهم، آنست بهم. فقد وضع المعنى وضعًا وصوره في صورة خرج معها إلى ما لا أصل له ) ) [3] . وخيال الشاعر سمح له تصور علة نفسية لاصفرار الشمس وقت مغيبها، وهي فراقها لمن تحب مستبعدًا أن ذلك من طبيعتها عند الغروب، وقد استساغ الشاعر هذه العلة التي تربط بين اصفرار الشمس في الغروب وحالة الفراق انسجامًا مع ما في نفسه من أثر حزن عميق سببه الفراق، التمس له صورة لون الشمس وقت غروبها. وعلى الرغم من أن تصوره من خياله الخاص إلا أنه عبر عن حالة من الألم مجربة عند الآخرين لذلك استطاع الشاعر أن يوصل إحساسه لدى متلقي النص ويجد له استجابة إذ (( عندما تصبح التجارب

(1) كولردج: 56.

(2) أسرار البلاغة: 242.

(3) أسرار البلاغة: 242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت