الصفحة 353 من 384

التي يسجلها الأثر الفني متوائمة في يسر والتصاق مع تجاربنا الفعلية أو ما نسميه بتجاربنا الممكنة فإننا نقول دون شك هذه القطعة من الأدب صادقة )) [1] .

إذن هامشية هذه الدلالة هامشية بتصورها وسببها في الربط بين الأشياء، وليست هامشية بانعكاسها على تجارب الآخرين فالأحاسيس واحدة، ولكن التعبير عنها مختلف.

كذلك أوردها الجرجاني في (التعليل بعلة بعيدة عن الحقيقة) قائلًا: (( ويتأول بعضهم في الأمراض والحميات أنها ليست بأمراض ولكنها فطن ثاقبة وأذهان متوقدة وعزمات ) ) [2] .

كقول كشاجم:

ولقد أخطأ قوم زعموا ... أنها من فضل برد في العضب

هو ذاك الذهن أذكى ناره ... والمزاج المفرط الحر التهب

وقول آخر:

وحوشت أن تضري بجسمك علة ... ألا إنها تلك العزوم الثواقب

وشرح الجرجاني لهذه التعليلات بأنها بعيدة وغير واضح، وهي ليست بعيدة فقط وإنما غير حقيقية، فإصابة الجسد بالحمى من فرط الذكاء وفرط نار المزاج لا بسبب برد أو مرض التقاط ذكي لسبب يوجد علاقة بين شيئين لا يمكن أن توجد صلة بينهما أبدًا. والشاعر يفعل هذا ترويحًا لنفسه أو لمن يقال له الشعر من حرارة وتعب الحمى المؤذي.

ومن واضح هذا النوع وجيدة قول أبن المعتز:

صدت سرير وازمعت هجري ... وضعت ضمائرها إلى الغدر

قالت كبرت وشبت قلت لها ... هذا غبار وقائع الدهر

ويعلق الجرجاني قائلًا: (( ألا تراه أنكر أن يكون الذي بدأ به شيبًا، ورأى الاعتصام بالجحد أخصر طريقًا إلى نفي العيب وقطع الخصومة ) ) [3] .

(1) قضايا النقد الأدبي والبلاغة: 3 - 4.

(2) أسرار البلاغة: 245.

(3) أسرار البلاغة: 246.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت