و الثاني: أن المراد أن هذه الفرائض تكفر الصغائر خاصة بكل حال و سواء اجتنبت الكبائر أو لم تجتنب و أنها لا تكفر الكبائر بحال و قد قال ابن المنذر في قيام ليلة القدر: إنه يرجى به مغفرة الذنوب كبائرها و صغائرها و قال غيره مثل ذلك في الصوم أيضا و الجمهور على: أن الكبائر لا بد لها من توبة نصوح و هذه المسائل قد ذكرناها مستوفاة في مواضع أخر فدل حديث أبي هريرة رضي الله عنه على: أن هذه الأسباب الثلاثة كل واحد منها مكفر لما سلف من الذنوب و هي: صيام رمضان و قيامه و قيام ليلة القدر فقيام ليلة القدر بمجرده يكفر الذنوب لمن وقعت له كما في حديث عبادة بن الصامت و قد سبق ذكره و سواء كانت أول العشر أو أوسطه أو آخره و سواء شعر بها أو لم يشعر و لا يتأخر تكفير الذنوب بها إلى انقضاء الشهر و أما صيام رمضان و قيامه فيتوقف التكفير بهما على تمام الشهر فإذا تم الشهر فقد كمل للمؤمن صيام رمضان و قيامه فيترتب له على ذلك مغفرة ما تقد من ذنبه بتمام السببين و هما صيامه و قيامه و قد يقال: إنه يغفر لهم عند استكمال القيام في آخر ليلة من رمضان بقيام رمضان قبل تمام نهارها و تتأخر المغفرة بالصيام إلى إكمال النهار بالصوم فيغفر لهم بالصوم في ليلة الفطر و يدل على ذلك ما خرجه الإمام أحمد [ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم يعطها أمة غيرهم خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك و تستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا و يزين الله كل يوم جنته و يقول: يوشك عبادي أن يكفوا عنهم المؤنة و الأذى و يصيروا إليك و يصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره و يغفر لهم في آخر ليلة فيه فقيل له: يا رسول الله أهي ليلة القدر ؟ قال: لا و لكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله[1] ]
(1) أخرجه: أحمد في المسند (2/292) والبزار كما في كشف الأستار (1/458) والترغيب لابن الجوزي (2/712) .