و المراد من قيام رمضان: إحياء لياليه بالصلاة المسماة (بصلاة التراويح) وقد وردت السنة بفضلها واختلفت الروايات في عددها وتباينت المذاهب في الأفضل من فعلها مع الجماعة أو الانفراد بها وفي صلاتها في المساجد أو في البيوت ومما ورد في فضلها وحكمها ما أخرجه: الشيخان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيمان واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) ، أخرجه: البخاري في الصحيح (1/92) ، ومسلم في الصحيح (1/523) ، حكى الرماني الاتفاق على أن المراد في الحديث بقيام رمضان هو صلاة التراويح وذكر النووي أن قيام رمضان يحصل بصلاة التراويح وجزم ابن المنذر أن صلاتها تكفر الصغائر والكبائر وجزم إمام الحرمين أنها تكفر الصغائر فقط قال النووي: وهو المعروف عن الفقهاء وعزاه القاضي عياض إلى أهل السنة وأما غفران ما تأخر فهو كناية عن الحفظ من الذنوب وعدم الوقوع فيها وذهب الماوردي إلى أنها تقع منهم الذنوب مغفورة.
واتفق العلماء على استحباب صلاة التراويح لكن مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وبعض المالكية أن الأفضل صلاتها في الجماعة وفي المساجد لأنها من الشعائر الظاهرة فأشبهت العيد وقد فعلها كذلك عمر والصحابة واستمر العمل بين المسلمين على ذلك كما ذكره الشوكاني ونقل عن مالك وأبي يوسف وبعض الشافعية أن الأفضل صلاتها فرادى وفي البيوت لقوله عليه السلام: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) ، أخرجه: الطبراني 5/160، كشف الخفاء 1/178.
وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد في أواخر رمضان وصلى بصلاته جماعة من الصحابة ولم ينكر عليهم ولم يواظب على ذلك خشية أن تفرض عليهم وكذلك جمع عمر الناس الى قاريء واحد في المسجد في رمضان فجمعهم على أبي بن كعب.
وأما عدد الركعات: فيها فقد روى مالك في الموطأ عن يزيد بن رومان أن الناس في زمن عمر كانوا يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة أخرجه: مالك في الموطأ ص (60) ، برقم (249) وفيه أيضا عن السائب بن يزيد: أنها إحدى عشر ركعة وأنه عشرون ركعة قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال ويحتما أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها فحيث تطول القراءة تقلل الركعات وبالعكس وبذلك جزم الداودي وغيره ثم قال: والاختلاف فيما زاد على العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر فكأنه تارة يوتر بواحدة وتارة بثلاث ونقل عن مالك أنها تسع وثلاثون ويوتر منها بثلاث وهو المنقول عن عمر بن عبد العزيز وأهل المدينة ونقل عن ابن عباس أنها عشرون ركعة في جماعة ونقل ذلك عن مالك أيضا ومال إلى ذلك ابن عبد البر وقال الرواية عن مالك أنها إحدى عشرة وهم. قال الشوكاني: إن الذي دلت عليه أحاديث الباب وما يشابهها هو مشروعية القيام في رمضان والصلاة في جماعة وفرادى فقصر الصلاة المسماة بالتراويح في عدد معين وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم ترد به سنة.
وقال السيوطي في رسالة المصابيح في صلاة التراويح: الذي وردت به الأحاديث الصحيحة والحسان والضعيفة الأمر بقيام رمضان والترغيب فيه من غير تخصيص بعدد ولم يثبت أنه عليه السلام صلى عشرين ركعة وإنما صلى ليالي صلاة لم يذكر عددها ثم تأخر في الليلة الرابعة خشية أن تفرض عليهم فيعجزوا عنها وقد تمسك بعض من أثبت ذلك بحديث ورد فيه لا يصلح للاحتجاج.
... وقال القسطلاني: سميت بذلك صلاة التراويح لأن بين كل تسليمتين جلسة يستريح المصلي بذكر الله تعالى فمذهب الشافعي رضي الله عنه أنها عشر تسليمات بعشرين ركعة وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه والإمام أحمد وقال مالك هي ست وثلاثون ركعة تمسكا بعمل أهل المدينة وقد علمت أن ابن عبد البر رجح العشرين عن مالك وعلى ذلك عمل أتباعه ومن المعروف من ذهب أحمد كما في أعلام الموقعين لابن القيم أنه يقد الحديث الضعيف في العمل ويحتج بقول الصحابي إذا لم يجد في الباب صحيحا نصا وذلك خير عنده من القياس وعمل الصحابي كقوله في الإتباع.