و روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه إذا كان ليلة أربع و عشرين اغتسل و تطيب و لبس حلة إزار أو رداء فإذا أصبح طواهما فلم يلبسهما إلى مثلها من قابل و كان أيوب السختياني يغتسل ليلة ثلاث و عشرين و أربع و عشرين و يلبس ثوبين جديدين و يستجمر و يقول: ليلة ثلاث و عشرين هي ليلة أهل المدينة و التي تليها ليلتنا يعني البصريين و قال حماد بن سلمة: كان ثابت البناني و حميد الطويل يلبسان أحسن ثيابهما و يتطيبان و يطيبون المسجد بالنضوح و الدخنة في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر و قال ثابت: كان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم و كان يلبسها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر فتبين بهذا أنه يستحب في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر التنظف و التزين و التطيب بالغسل و الطيب و اللباس الحسن كما يشرع ذلك في الجمع و الأعياد و كذلك يشرع أخذ الزينة بالثياب في سائر الصلوات كما قال تعالى: { خذوا زينتكم عند كل مسجد } [1] و قال ابن عمر: الله أحق أن يتزين له و روي عنه مرفوعا: [ و لا يكمل التزين الظاهر إلا بتزين الباطن ] بالتوبة و الإنابة إلى الله تعالى و تطهيره من أدناس الذنوب و أوضارها فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئا قال الله تعالى: { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم و ريشا و لباس التقوى ذلك خير } [2]
( إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى ... تقلب عريانا و إن كان كاسيا )
لا يصلح لمناجاة الملك في الخلوات إلا من زين ظاهره و باطنه و طهرهما خصوصا لملك الملوك الذي يعلم السر و أخفى و هو لا ينظر إلى صوركم و إنما ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم فمن وقف بين يديه فليزين له ظاهره باللباس
(1) سورة الأعراف: آية/31. ...
(2) سورة الأعراف: آية/26. ...