فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 145

فلا يخرجون بذلك عن العصمة الثابته، كمن خرج عن طاعة الإمام من أهل البغي ولم تكن له شوكة] (الصارم المسلول: 1/ 272) .

وليس هذا الحكم -أعني انتفاء القدرة- خاصًا بالممتنعين من المرتدين، أو الكفار الأصليين كأهل الذمة، بل يشمل كل طائفة امتنعت بقوتها وشوكتها عن حق من الحقوق أو حكمٍ من الأحكام التي وجبت عليها شرعًا، ولهذا فإن عليًا رضي الله عنه حينما نبغ الخوارج وتحيزوا ولم يشهروا السلاح ويتظاهروا به في شق عصا الطاعة لم يقاتلهم بل كان يقول لهم: [لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نبدؤكم بقتال، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا] ، حتى إذا سفكوا الدم الحرام وامتنعوا بالشوكة قاتلهم هو والصحابة رضي الله عنهم حتى استأصلوهم، قال الإمام الماوردي -رحمه الله-:[وإذا بغت طائفة من المسلمين، وخالفوا رأي الجماعة، وانفردوا بمذهب ابتدعوه، فإن لم يخرجوا به عن المظاهر بطاعة الإمام، ولا تحيزوا بدار اعتزلوا فيها وكانوا أفرادًا متفرقين تنالهم القدرة وتمتد إليهم اليد تركوا ولم يحاربوا، وأجريت عليهم أحكام العدل فيما يجب لهم وعليهم من الحقوق والحدود -إلى أن قال-وإن امتنعت هذه الطائفة الباغية من طاعة الإمام، ومنعوا ما عليهم من الحقوق، وتفردوا باجتباء الأموال وتنفيذ الأحكام، فإن فعلوا ذلك ولم ينصبوا لأنفسهم إماما ولا قدموا عليهم زعيما كان ما اجتبوه من الأموال غصبا لا تبرأ منه ذمة، وما نفذوه من الأحكام مردودا لا يثبت به حق.

وإن فعلوا ذلك وقد نصبوا لأنفسهم إماما اجتبوا بقوله الأموال ونفذوا بأمره الأحكام لم يتعرض لأحكامهم بالرد ولا لما اجتبوه بالمطالبة وحوربوا في الحالين على سواء لينزعوا عن المباينة ويفيئوا إلى الطاعة] (الأحكام السلطانية: 1/ 99) .

ثالثًا: لا أعني بقولي: ليست من مسائل القضاء رأسًا، أنها خارجة عن نطاق النظر الشرعي، والتقيد بالأحكام في حقها-والعياذ بالله- فما هذا البحث بمجمله إلا لمعرفة الحكم الشرعي الواجب في هذه المسألة، وإنما المقصود أن النظر القضائي بأحكامه التفصيلية المعروفة غير متأتٍ في الواقع لأسباب عدة ذكرتها من قبلُ، أعظمها امتناع هؤلاء (المتهمين) ووجود الشوكة التي يحتمون بها ويركنون إليها، وواضحٌ من كلام الفقهاء أن ما يذكرونه من بعض أحكام الجاسوس المسلم إنما يرتبط بالواقع الذي كانوا يعيشونه من استقامة الحال، وتمكن الإسلام، وبسط سلطانه، ووجود القضاء، وندرة صور التجسس، إذ لم يكن الأمر قطعًا على ما هو عليه اليوم من هذا الانتشار الواسع (لجيوشهم) وانبثاثهم في كل شِعب وواد، ولم يكن حال الإسلام والمسلمين على ما هو عليه اليوم من الضعف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت