وقال أيضًا -رحمه الله-: [وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين، وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا، فانهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم، وإن لم يخف على المسلمين ففى جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران للعلماء، وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدًا، فإن المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيدًا، ومن قتل وهو في الباطن لا يستحق القتل لأجل مصلحة الإسلام كان شهيدًا] (مجموع الفتاوى: 28/ 547) .
وقال -رحمه الله-: [وكما لو تترس الكفار بمسلمين ولم يندفع ضرر الكفار إلا بقتالهم، فالعقوبات المشروعة والمقدورة قد تتناول في الدنيا من لا يستحقها في الآخرة، وتكون في حقه من جملة المصائب كما قيل في بعضهم: القاتل مجاهد والمقتول شهيد] (مجموع الفتاوى:10/ 376) .
وليس المقصود هنا هو الحديث على مسألة التترس وأحكامها، وما اتفق عليه منها وما اختلف فيه فهذا له موطنه، وإنما المقصود هو المقارنة بين هذه الحال التي (اتفق) العلماء عليها وبين ما نحن بصدده ليظهر لنا أولولية مسألة الجواسيس بالحكم من مسألة أسرى المسلمين المتترس بهم، وذلك من خلال المسائل التالية:
المسألة الأولى: أن مدار تجويز رمي الكفار المتترِّسين بالمسلمين هو دفع الضرر (المتوقع) حصوله للمسلمين فيما لو كفوا عنهم، وهو كما عبر عنه شيخ الإسلام بقوله: [وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا] ، والرمي في هذه الصورة متفقٌ على جوازه بين العلماء حتى ولو أدى إلى قتل أسرى المسلمين بالتبع، وأما الضرر الذي نتحدث عنه في مسألتنا فهو (واقعٌ) متحققٌ عامٌّ كبير، فالقتال في هذه الحالة أوجب والإلزام به أوكد.
المسألة الثانية: أن الأسرى المسلمين المتترَّس بهم هم بريئون بلا شك بل ومكرهون على الوقوف في الموطن الذي تُزهق فيه أرواحهم، وقتلهم في بعض الحالات ليس محتملًا بل مستيقنًا منه، فالمجاهد الرَّامي للكفار المتترِّسين يعلم يقينًا أنه بعمله ذلك يقوم بقتل عددٍ من المسلمين البريئين المكرَهين استنادًا إلى حكم الشرع الذي جوز له ذلك ولم يأمره إلا بأن يقصد -بقلبه- رمي الكفار لا الأسرى المسلمين، وسبب تسويغ هذا الرمي هو دفع الضرر الذي يُخاف على المسلمين إن امتنع عن ذلك.