فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 145

وأما في حالتنا، فإن كثيرًا من القرائن والشواهد والأحوال تجعل الحكم بانتساب الشخص إلى سلك الجواسيس قطعيًا وتلبسَه بهذه الجريمة لا شك فيه، ووقوعُ بعض الحالات الجزئية المحتملة والتي قد يقتل فيها مَن كان بريئًا في حقيقة الأمر-مع التحري والاحتياط- ليست بأشد نكارة من قتل (ترس الأسرى) ممن استيقنتْ براءته، ومع ذلك جوز الشرع الرميَ مع القطع بوقوع القتل.

وقد صوَّر أبو حامد الغزالي -رحمه الله- مسألة التترس تصويرًا دقيقًا وهو يطرح إشكالها من حيث ارتكاب أحد المحظورين فقال: [فإن قيل: كيف يجوز المصير إلى هذا في هذه المسألة وفي مسألة الترس وقد قدمتم أن المصلحة إذا خالفت النص لم تتبع كإيجاب صوم شهرين على الملوك إذا جامعوا في نهار رمضان، وهذا يخالف قوله تعالى:"ومن يقتل مؤمنا متعمدا"وقوله تعالى:"ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق"وأي ذنب لمسلم يتترس به كافر؟ فإن زعمتم أنا نخصص العموم بصورة ليس فيها خطر كلي فلنخصص العتق بصورة يحصل بها الانزجار عن الجناية حتى يخرج عنها الملوك، فإذا غاية الأمر في مسألة الترس أن يقطع باستئصال أهل الإسلام، فما بالنا نقتل من لم يذنب قصدًا ونجعله فداء للمسلمين ونخالف النص في قتل النفس التي حرم الله تعالى؟ -إلى أن قال - وقول القائل هذا سفك دم محرم معصوم، يعارضه أن في الكف عنه إهلاك دماء معصومة لا حصر لها، ونحن نعلم أن الشرع يؤثر الكلي على الجزئي، فإن حفظ أهل الإسلام عن اصطلام الكفار أهم في مقصود الشرع من حفظ دم مسلمٍ واحد فهذا مقطوع به من مقصود الشرع والمقطوع به لا يحتاج شهادة أصل] (المستصفى: 1/ 445) .

المسألة الثالثة: أن الضرر الذي يُخشى وقوعه في مسألة التترس لا يد للأسرى فيه ولا مشاركة لهم في إيقاعه لا بالبيقين ولا بالظن ولا بالوهم فليس لهم أدنى ملابسة في إيصال الضرر بالمسلمين بل إن حالتهم على مقابلة ذلك تمامًا إذ هم مكرهون على ما هم له كارهون، ولو استطاعوا لكانوا معينين لإخوانهم المسلمين في دفع الضرر عنهم، أما في حالة التجسس، فإن الضرر الحاصل للمسلمين هو بإعانة مباشرة ومشاركة حقيقية من قبل شراذم الجواسيس بل هم ركن الضرر الركين، وأساسه المتين، ومصدره بيقين، فإذا كان الشرع قد جوز رمي الترس -مع القطع بقتلهم- لأجل دفع ضرر لا يد لهم في جلبه وإيقاعه ولا حيلة لهم في كفه ودفعه، فكيف لا يجوِّز قتل مَن كان هو أساس الضرر وسببه ومنبعه مع التحري في معرفته وبذل أقصى الجهد (الممكن) للوقوف على فاعله بوسائل وطرق تعينت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت