نصر عن سماك: فأبى أن يرجمه، ورواية أحمد، وأبي داود ظاهرة في ذلك، ورواية الترمذي عن محمد بن يحيى صريحة في أنه رجمه.
وهذا الاضطراب إما من سماك -وهو الظاهر- وإما ممن هو دونه، والأشبه أنه لم يرجمه كما رواه أحمد، والنسائي، وأبو داود، ولم يذكروا غير ذلك، ورواته حفظوا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل رجمه فأبى وقال لا.
الذي قال إنه أمر برجمه إما أن يكون جرى على المعتاد، وإما أن يكون اشتبه عليه أمره برجم الذي جاءوا به أولًا فوهم وقال إنه أمر برجم المعترف، وأيضا فالذين رجمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزنا مضبوطون معدودون وقصصهم محفوظة معروفة، وهم ستة نفر الغامدية، وماعز، وصاحبة العسيف، واليهوديان، والظاهر أن راوي الرجم في هذه القصة استبعد أن يكون قد اعترف بالزنا بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يرجمه وعلم أن من هديه رجم الزاني فقال: وأمر برجمه] (الطرق الحكمية: 1/ 87) .
ففي هذا الحديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجم الرجل المُغيث بناءً على شواهد الحال لأن المرأة ذكرت شيئًا من الشواهد القوية في حقه من ذلك قرينة عدوه وشهود القوم على ركضه وأخذه على تلك الحال، مع أن الذي يثبت به الزنا فيما يتعلق بالشهود من أشد القضايا تشددا، وكذلك معلوم أن المرأة إذا أقرت أن رجلا زنى بها فإقرارها على نفسها لا يجري عليه ولكن قرائن الواقعة هنا قضت عليه بالتهمة كقيء الخمر مع أنه في نفس الأمر كان بريئًا، ولو لم يقم صاحب الفعلة ويعترف بما اقترف لرجم الرجل، فإذا ساغ هذا في حادثة عابرة، وقضية جزئية لا يتعلق فسادها إلا بامرأة واحدة لم تُصِب في اتهامها للرجل، فكيف بالأمر إذا كان تعلقه بالحفاظ على دين الأمة، ودماء المسلمين، ورفع تسلط الكافرين، مع أن أكثر الشواهد والضمائم التي يُعتمد عليها في حق المتهمين بالتجسس تكون مقطوعًا بها لا يتطرق إليها أدنى شك، واحتمال إصابة مَن لا ذنب له منهم بعد الاجتهاد والتحري والتثبت كالاحتمال الذي كاد الرجل المغيث أن يُقتل به، أو أدنى والله تعالى أعلم.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: [فإن قيل فكيف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم المغيث من غير بينة ولا إقرار؟
قيل هذا من أدل الدلائل على اعتبار القرائن والأخد بشواهد الأحوال في التهم، وهذا يشبه إقامة الحدود بالرائحة والقيء كما اتفق عليه الصحابة، وإقامة حد الزنا بالحبل كما نص عليه عمر وذهب