إليه فقهاء أهل المدينة وأحمد في ظاهر مذهبه، وكذلك الصحيح أنه يقام الحد على المتهم بالسرقة إذا وجد المسروق عنده، فهذا الرجل لما أدرك وهو يشتد هربًا وقالت المرأة هذا هو الذي فعل بي، وقد اعترف بأنه دنا منها، وأتى إليها، وادعى أنه كان مغيثًا لا مريبًا، ولم ير أولئك الجماعة غيره كان في هذا أظهر الأدلة على أنه صاحبها، وكان الظن المستفاد من ذلك لا يقصر عن الظن المستفاد من شهادة البينة.
واحتمال الغلط وعداوة الشهود كاحتمال الغلط أو عداوة المرأة ههنا، بل ظن عداوة المرأة في هذا الموضع في غاية الاستبعاد، فنهاية الأمر أن هذا لوث ظاهر لا يستبعد ثبوت الحد بمثله شرعًا، كما يقتل في القسامة باللوث الذي لعله دون هذا في كثير من المواضع، فهذا الحكم من أحسن الأحكام وأجراها على قواعد الشرع، والأحكام الظاهرة تابعة للأدلة الظاهرة من البينات والأقارير وشواهد الأحوال، وكونها في نفس الأمر قد تقع غير مطابقة ولا تنضبط أمر لا يقدح في كونها طرقًا وأسبابًا للأحكام] (إعلام الموقعين: 3/ 9) .
وقال ابن القيم في القصة نفسها:[فإن قيل كيف أمر برجم البريء؟
قيل لو أنكر لم يرجمه، ولكن لما أخذ وقالت هو هذا ولم ينكر، ولم يحتج عن نفسه، فاتفق مجيء القوم به في صورة المريب، وقول المرأة هذا هو وسكوته سكوت المريب، وهذه القرائن أقوى من قرائن حد المرأة بلعان الرجل وسكوتها فتأمله] (إعلام الموقعين: 4/ 371) .
وما ذكره الإمام ابن القيم -رحمه الله- من أن الرجل المغيث لم ينكر ولم يحتج عن نفسه، الظاهر من الرواية خلافه، فإن فيها قول الرجل: [أنا الذي أغثتك] ، وقوله أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنما كنت أغيثها على صاحبها، فأدركني هؤلاء فأخذوني] فردت عليه المرأة قوله وقالت: [كذب هو الذي وقع علي] كل هذا يدل على أن الرجل كان يبرِّء نفسه، ويدفع التهمة عنه، ويخبر بأنه كان مغيثًا لا مريبًا، فكيف يقال بعد هذا كله بأنه لم ينكر؟!.
فالظاهر -والله تعالى أعلم- أن اشتداده وركضه كالفارِّ، مع إخبار المرأة للجمع بأن رجلًا فعل بها ما فعل، وعدم عثورهم على أحدٍ سواه، ثم تأكيد المرأة بعد رؤيته بأنه صاحبها، كل ذلك عيّن التهمة عليه وأكدها في حقه، ولم يكن لإنكاره تأثير مقابل كل هذه الشواهد والدلائل؛ فلهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمه.