ثالثًا: هل يمكن القول بالتفريق في مسألة الجواسيس بين حالة التمكن والقدرة كالتي كان فيها حاطب رضي الله عنه حينما استدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وسأله واستفسر منه واستبين حاله وهو موجود داخل الدولة الإسلامية وتحت سلطتها وقدرتها ويمكن إحضاره إلى المجلس طوعًا أو كرهًا، وبين حالة الامتناع والحرب حيث يكون المجاهدون في غير تمكين والاستفصال عن كل حالة شيء متعذر، وإيكال هؤلاء الجواسيس إلى أقوالهم وإنكارهم مع القطع بكذبهم والتيقن بلصوق التهمة بهم (وذلك بالقرائن القوية والاعترافات القسرية أحيانا) يعني بالضرورة عدم قتل أي جاسوس ينسب نفسه إلى الإسلام وهذا باب شرٍ مستطير على المجاهدين لأن اعتماد الكفرة اليوم على الجواسيس والعيون أضعاف أضعاف اعتمادهم على الجيوش العسكرية العلنية المدججة بالأسلحة، وهل يمكن أن يجعل حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه (اطلبوه فاقتلوه) دليلًا على هذا التفريق، حيث استبين من حاطب رضي الله عنه حينما كان في المدينة وتحت سلطان المسلمين، وأمر بقتل المشرك الهارب مباشرة لامتناعه ورجوعه إلى طائفته مع أنه كان يمكن أن يقبض عليه لأن سلمة إنما قتله بعد أن أنزله من ظهر جمله، فحاطب مقدور عليه، وهذا ممتنع ولهذا كان التعامل مع الحالتين مختلفًا، فهل يستقيم هذا التقرير؟
رابعًا: وفي كل هذا وذاك فماذا يرى سادتنا العلماء في كيفية التعامل مع هذه المسألة بصورة عملية، ولا نقصد حكم الجاسوس من حيث جواز القتل أو عدمه، وإنما من جهة كيفية إثبات صفة الجوسسة التي يستحق بها القتل، ومن ذلك (القرائن المتعددة كالأجهزة المتطورة، والتنصت على مكالماتهم الهاتفية التي تثبت بأصواتهم أنهم يبلغون الأخبار إلى الأعداء، واستصحابهم لبعض الصور أو التقارير التي التقطوها أو كتبوها عن المجاهدين ونحو ذلك وهو باب واسع لا يكاد يحصر، أو بالضرب ومسه بشيء من العذاب مع قوة السبب الداعي لذلك وهذا أكثر الأساليب استعمالا بين المجاهدين في كل ساحات الجهاد تقريبًا، أو باعتراف عدد من الجواسيس على شخص معين بحيث يقع اليقين بصدقهم فيما يقولون لعدم إمكانية اتفاقهم على الكذب في قصص مفصلة وأحداث مروية دقيقة) أجيبونا مأجورين مرحومين بإذن الله؟
ووضحوا لنا المسألة أثابكم الله، وجزاكم الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رجب 1429هـ