وقال العلامة عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله-:[فواجه سبحانه المؤمنين بهذا الخطاب، إنذارًا وتحذيرًا؛ ولا ريب أنه يتعلق بكل مؤمن بالله وكتابه ورسوله، من الذين نزل فيهم القرآن، ومن حضر نزوله، ومن بعدهم إلى قيام الساعة.
وليس من الجائز في عقل من له أدنى مسكة من عقل، أن يقول: هذه الآيات نزلت في شأن حاطب، لما كتب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقصر حكم هذا الخطاب العام، على من نزل هذا الحكم بسببه.] (الدرر السنية: 10/ 195) .
قال الشيخ عطية محمد سالم -رحمه الله-: [وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وقصة الرسالة مع الظعينة لأهل مكة قبل الفتح بإخبارهم بتجهز المسلمين إليهم مما يؤيد المراد بالعدو هنا، ولكن وإن كانت صورة السبب قطعية الدخول إلا أن عموم اللفظ لا يهمل، فقوله (عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ) ، وقوله: (وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الحق) يشمل كل من كفر بما جاءنا من الحق كاليهود، والنصارى، والمنافقين ومن تجدد من الطوائف الحديثة ... ومن الطوائف المحدثة كل من كفر بما جاءنا من الحق من شيوعية وغيرهم، وكالهندوكية، والبوذيّة وغيرهم] (أضواء البيان: 8/ 217) .
بل إن بعض العلماء قد جعل هذه السورة أصلًا في النهي عن موالاة الكفار عامة كما قال الإمام ابن عادل -رحمه الله-: [هذه السورة أصل في النهي عن موالاة الكُفَّار، وقد تقدم نظيره كقوله: {لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ} ، وقوله: {ياأيها الذين آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} ، {ياأيها الذين آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ} ] (تفسير اللباب: 15/ 224) .
وقال القرطبي -رحمه الله - [السورة أصل في النهي عن موالاة الكفار.] (تفسير القرطبي: 18/ 52) الدليل الثاني: قال الله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران/28]
قال الإمام ابن جرير -رحمه الله: [ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون، الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلُّونهم على عوراتهم، فإنه مَنْ يفعل ذلك (فليس من الله في شيء) ، يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر] (تفسير الطبري: 6/ 313) ، فكما ترى فإن الإمام ابن جرير نص على أن دلالة الكفار على عوارت المسلمين داخلة في معنى اتخاذهم أولياء، وروى بسنده عن السدي أنه قال في