فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 145

واندحارهم فضلًا عن اجتهاده وسعيه في ذلك، قاذفًا للرعب في قلوب المشركين، ولم ينحز لا ببدنه ولا بنفسه ولا بقلبه عن معسكر الإسلام ومناصرة أهله ظاهرًا وباطنًا، ولم ينتقل إلى عدوة الكفرة وشقهم، وإنما هي أسطرٌ كتبها لحظٍّ شخصي لم يتصور معه وقوع أدنى ضررٍ بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقع ذلك كله في لحظة غلبته فيها نفسه شفقة على أولاده فأراد أن يجعل له يدًا عند المشركين ومنةً عليهم لتكون طريقًا ووسيلة لحفظ بنيه، ومع ذلك فالوسيلة التي اتخذها هي أقرب إلى إلقاء الرعب وغرس الفزع في قلوبهم من إطلاعهم على أسرار وأخبار يمكن أن ينتفعوا بها لإضرار الإسلام والمسلمين، فثقته بنصر الله وحبه لرسوله صلى الله عليه وسلم وانحيازه إلى حزبه جعلته يقول في رسالته: (فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله، وأنجز له وعده) ، وغلبة عاطفة الأبوة والشفة على البنين دفعته لأن يكتب: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في الناس بالغزو ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد) ، ومع إيجاز هذه العبارة وعدم ظهور أية علامة للمظاهرة البينة فيها إذ لا يعدو الأمر أن يكون إخبارًا لهم ليحتاطوا لأنفسهم كما قال لهم (فانظروا لأنفسكم) ومع ذلك فقد جاء فيه ما جاء من الآيات التي تقرع الأسماع وتزلزل القلوب، وورد فيها من التهديد والوعيد والتحذير الشديد من موالاتهم والتنفير من إحسان الظن بهم أو الميل نحوهم، فهل يقارن هذا، بما يقوم به (جنود اليوم) الأخفياء من الجواسيس المبثوثين في مشارق الأرض ومغاربها، والذين وطَّدوا أنفسهم وأعدوها إعدادا تامًا لأن يكونوا في عدوة الكفار، فهم يسعون لهم ليلا ونهارا، يمدونهم بالأخبار المفصلة والتقارير المتتابعة، ويرصدون حركات المجاهدين وأنصارهم كما يرصد الذئب فريسته، وينقبون عن مراكزهم ومعسكراتهم تنقيبا دقيقا دائبًا، وقد تم تدريبهم تدريبًا تامًا -وبصورة خفية لخطورتهم وأهميتهم- على كيفية أداء مهامهم التي توقع بالمسلمين أبلغ الأضرار في النفوس والأعراض والأموال والديار وغيرها، وينتفع بها (أولياؤهم) الكفار أيما انتفاع، لا ليحتاطوا بها لأنفسهم فحسب ولكن لتكون هي معتمدهم غالبًا في رسم خططهم وبلوغ أهدافهم والنكاية البالغة في المسلمين ودينهم، فحاطب رضي الله عنه لم يجعل نفسه جزءا من معسكر الباطل، ولم يحسب أصلًا أن ضررًا ما يمكن أن يلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين فضلًا عن أن يقصده ويتعمده ويسعى إليه ويجتهد في إيصاله، وإنما قد يكون الضرر هو لازم فعله أو نتيجته مع بُعْد هذا الاحتمال واقعًا، ولم يتمنَ إعلاء كلمة الكافرين ولا هو سعى في ذلك، كما أنه لم يفعل ما فعل باتفاق وتوثيق وتعهد بينه وبين معسكر الباطل ولا بتكليف منهم، ولم يكن ذلك بناء على عمل مستمر ومهنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت