دائمة يمارسها يتقاضى عليها مرتبًا ومعاشًا مقابل كل تقرير يقدمه أو هدف يرصده، كما أنه حينما اكتشف أمره لم ينحز إلى معسكر الباطل ولم يفرَّ إلى (أوليائه) ليحموه ويحصنوه ويكرموه ويكافئوه على ما كان قد قدمه لهم من خدمات جليلة ومعلومات مهمة وخطيرة، بل اعترف بخطئه وأقر بذنبه وبين عذره بصدق وصفاء وصراحة.
فأين هذا مما يفعله (جنود العصر) مما يقابل كل ما ذكرناه، الذين هم -وكما ذكرت مرارا- لا يختلفون في شيء عن الجيوش العسكرية العلنية في مناصرتهم ومظاهرتهم ومولاتهم وانحيازهم لأهل الباطل وسعيهم لتعمد إيقاع الضرر بالإسلام والمسلمين والاجتهاد في إعلاء كلمة الكافرين، والفرق في شيء واحد فقط وهو إعلان تلك الجيوش ومجاهرتها بما تفعل، وتخفي (الجواسيس) وإسرارهم وتضليلهم وتمويههم من إجل إتقان أداء مهامهم ومضاعفة إضرارهم وأضرارهم، فهؤلاء يصدق فيهم قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ? ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} [محمد: 25 - 26] إذ لا شك أن هؤلاء الجواسيس هم من الذي وقعوا العقود وأبرموا العهود مع الكفرة -سواء كانوا يهودا أو نصارى أو مرتدين أو غيرهم- الذين (كرهوا ما نزل الله) على أن يطيعوهم في (بعض الأمر) والذي منه كشف أسرار المسلمين، وهتك أستار المؤمنين، والإطْلاع على عوارت الموحدين، والدلالة على مواطن الغرة للنيل من المجاهدين.
قال العلامة الشنقيطي -رحمه الله- في تفسير الآية المذكورة:[وظاهر الآية يدل على أن بعض الأمر الذي قالوا لهم سنطيعكم فيه مما نزل الله وكرهه أولئك المطاعون.
والآية الكريمة تدل على أن كل من أطاع من كره ما نزل الله في معاونته له على كراهته ومؤازرته له على ذلك الباطل، أنه كافر بالله بدليل قوله تعالى فيمن كان كذلك {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتبعوا مَآ أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} ] (أضواء البيان: 7/ 441) .
وقال أيضًا: [والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذه الآيات عامة في كل ما يتناوله لفظها، وأن كل ما فيها من الوعيد عام لمن أطاع من كره ما نزل الله.
مسألة: اعلم أن كل مسلم يجب عليه في هذا الزمان تأمل هذه الآيات، من سورة محمد وتدبرها، والحذر التام مما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأن كثيرًا ممن ينتسبون للمسلمين داخلون بلا شك فيما