فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 145

تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأن عامة الكفار من شرقيين وغربيين كارهون لما نزل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وهو هذا القرآن وما يبينه به النبي صلى الله عليه وسلم من السنن، فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزله الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فهو داخل في وعيد الآية، وأحرى من ذلك من يقول لهم: سنطيعكم في الأمر كالذين يتبعون القوانين الوضعية مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزل الله، فإن هؤلاء لا شك أنهم ممن تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، وأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، وأنه محبط أعمالهم، فاحذر كل الحذر من الدخول في الذين قالوا: سنطيعكم في بعض الأمر.] (أضواء البيان: 7/ 443) .

فهل يسوي بين زلة حاطب رضي الله عنه التي فعلها تأولًا وبين المهنة المنظمة المستمرة التي يقوم بها هؤلاء إلا فاقدٌ عقله لا يدري ما يقول، فأين الثرى من الثريا وأين الدياثة من الدماثة.

ولذلك فالذي أراه أن علاقة مسألة حاطب رضي الله عنه وما جاء فيها من الأحكام بما نبحثه مما يتعلق بجواسيس العصر، إنما هو علاقة (الأولى) ، ولا يكاد يخرج حكمٌ من الأحكام عن هذه العلاقة، بمعنى أن كل ما يثبت في حق حاطب من التشديد والتغليظ والأحكام فإنها في حق جواسيس العصر من باب أولى بأضعاف مضاعفة، ولا أحسب أن العلماء الأولين -رحمهم الله- حينما بحثوا مسألة الجاسوس المسلم خطر ببالهم أن الأمر يصل إلى ما هو عليه اليوم من الإتقان، والتدريب، والترتيب، والتنظيم، والتجنيد، والتحيز، والنفقات، والضمانات، والحماية عند اللزوم وغير ذلك من الحقوق التي يتقاضاها الجاسوس مقابل أداء مهمته، فمن الخطأ الشنيع أن ننزل أقوالهم التي تتعلق بحالات جزئية وهفوات عابرة على الصور العصرية، فليكن هذا الأمر مستصحَبًا مستحضَرًا، ولا ينبغي أن يغفل عنه في هذه المسألة فتزل قدم بعد ثبوتها والله تعالى أعلم.

المبحث الثالث: الأمر المقطوع به قطعًا باتًا أن حاطبًا رضي الله عنه لم يكفُر بإخباره كفار قريش بما أخبر، بمعنى أنه لم يصر مرتدًا خارجًا عن ملة الإسلام، والذي منع من تكفيره أحد احتمالين لا ثالث لهما:

الأول: أن لا تكون مراسلة حاطب رضي الله عنه لكفار قريش أمرًا مكفرًا أصلًا، وإنما هي معصية كغيرها من المعاصي التي هي دون الكفر.

الثاني: أن يكون نفس الفعل الذي ارتكبه حاطب رضي الله عنه مكفِّرًا، ولكن منع من تكفيره تعيينًا مانعٌ ما كالتأويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت