وبكلٍ من الاحتمالين قال بعض العلماء، إلا أن الأكثرين - فيما اطلعت- على أن ما فعله حاطب رضي الله تعالى عنه لا يرتقي إلى درجة الكفر، وإنما هو كبيرة من الكبائر، فالكلام هنا على خصوص فعله لا على أصل التجسس والذي نقلنا عن عدد من العلماء من قبل: أن إطلاع الكفار على عوارت المسلمين ودلالتهم عليها لينتفعوا بها في حربهم لهم هو نوٌع من أنواع المظاهرة التي تُخرج مقترفها من الملة، وأن صاحبها ليس من الله في شيء وقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر.
ومع ذلك فإنني أنبه هنا إلى أن الحكم على خصوص ما فعله حاطب رضي الله تعالى عنه وهل يعد كفرًا أم لا هو من المسائل الاجتهادية المحضة التي لا تعلق لها بشأن العقيدة، وإنما مبناه على الترجيح وقوة الدليل بشرط أن يكون ذلك سائرًا على نسق أهل السنة والجماعة الذين لا يشترطون الاستحلال أو الجحود في الأقوال والأفعال المكفرة، ويفرقون بين التكفير المطلق وتكفير المعين بناء على توفر الشروط وانتفاء الموانع لا على معرفة ما في قلب قائلها أو فاعلها.
كما أنهم لا يجعلون ارتكاب المكفرات القولية أو الفعلية لأجل أمرٍ من أمور الدنيا مانعًا من تنزيل الحكم على مرتكبها، ولو جوِّز هذا الأمر لما أمكن تكفير أحدٍ إلا أن يشاء الله، لأن غالب من يقترف شيئًا من المكفرات الصريحة إنما يدفعه لذلك طمعٌ وجشعٌ واستحبابٌ لمتاع الدنيا وإيثارٌ لها على الآخرة، كما قال سبحانه وتعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [النحل: 106 - 107] ، وقال سبحانه: {وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ? الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ} [إبراهيم: 2 - 3]
ولذلك سأعرض عن قول من قال إن حاطبًا رضي الله عنه لم يكفر لأنه فعل ما فعل لأجل الدنيا وجعل ذلك كالأصل في عدم تكفير من كان هذا حاله كما قال الإمام ابن العربي المالكي -رحمه الله-: [المسألة الرابعة: من كثر تطلعه على عورات المسلمين، وينبه عليهم، ويعرِّف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرًا إذا كان فعله لغرض دنيوي، واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين.] (أحكام القرآن: 7/ 295) ، ومثله تمامًا ما قاله القرطبي -رحمه الله- كعادته في نقل كلام الإمام ابن العربي، وليت شعري أي اعتقاد سليم سيبقى