فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 145

هذا التواضع في ميدان البحث العلمي يحتاج منا أن نحيي الشيخ أبا يحيى عليه، ونسأل الله أن يزيده به رفعة وسموًا وقدرًا عاليًا في الدنيا والآخرة. وهذا يبين جانبًا من سلوك المجاهدين وأخلاقهم -ولا أزكيهم على الله- التي من الله بها عليهم. فرغم بذلهم وعطائهم، ورغم باعهم العلمي الذي لا ينكر، يعرضون ما قدموا على أهل العلم والديانة، ليقبلوا منه ما يرونه حقًا، ويردوا منه ما يرونه غير ذلك.

ولم يقتصر الشيخ أبو يحيى -حفظه الله- على مجرد عرض ما توصل إليه على أهل العلم والديانة، بل لقد وجه الشيخ -حفظه الله- دعوة للعلماء ليشاركوا في ميادين الجهاد حين قال:"هذا ما تبين لي في هذه المسألة النازلة، وهي مما يبين حاجة ساحات الجهاد للعلماء المجتهدين، الذين يجمعون بين علم الشريعة وفقه الواقع والغوص في تفاصيله وتفاريعه بمعايشته والمشاركة فيه لا بالتصورات والافتراضات التي قد تكون أبعد شيء عن الحقيقة وأحداثها".

فهل من مستجيب لتلك الدعوة الصادقة من المجاهدين؟ هل ينفر العلماء لساحات الجهاد ليستنشقوا عبير حقائق التوحيد التي درسوها نظريًا، فيمارسونها عمليًا؟ هل ينفر العلماء ليعيشوا حقيقة التوكل على الله والاعتزاز به والثقة بنصره وإيثار رضاه على رضا الخلق، واختيار ما عنده على الدنيا الفانية؟ هل ينفر العلماء ليمارسوا الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين وأعوانهم؟ وليروا بأم أعينهم جماهير المسلمين من العوام بل والأميين -الذين لم يدرسوا دقائق العقيدة، ولم يحصلوا على أعلى الشهادات فيها- وهم يحمون إخوانهم المجاهدين ويمدونهم بالمأوى والملبس والمأكل، ويعرضون أنفسهم وأسرهم وبيوتهم وقراهم للقتل والأسر والحرق والدمار في ثبات ورضا واطمئنان.

ولا زلت أذكر عشرات المواقف من المسلمين البسطاء، التي تكشف عن عقيدة راسخة رسوخ الجبال في ولاية المؤمنين ونصرتهم والبراءة من الكافرين وعداوتهم. لا زلت أذكر من تلك المواقف ذلك الشيخ المسن الذي نظر إلي وإخواني في ظرف من الظروف الشديدة، ثم قال بثبات واطمئنان: ضعوا كل همكم على كتفي واطمئنوا ولا تبالوا بشيء، وصدق -جزاه الله خير الجزاء- في كل ما قال، ولا زلت أذكر ذلك الشيخ المقعد، الذي استضافني ابنه في بيته، فطلب أن يقابلني، فلما رآني نظر إلي متمليًا ثم قال لي: نحن نعلم كم عانيتم، ولكننا كلنا معكم، وأحمد الله أن وضع في قلب ولدي الشجاعة ليستضيفك عندنا.

هذه المواقف ومئات من أمثالها التي مر بها المجاهدون والمهاجرون تثبت أن الأمة لا زالت بخير، ولا يزال الخير فيها وافرًا. ويصدق فيها قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:"الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت