نكاية المسلمين بكفرٍ بين، فهذه هي الحالة المشكلة في كلام الإمام الشافعي، إذ لا شك أن هذه من صور ممالأة الكفار على المسلمين، فكيف لا تكون كفرًا بينًا؟!
والذي يظهر - والله تعالى أعلم- أن الحقَ في هذه الصورة الأخيرة هو على خلاف ما ذهب إليه الإمام الشافعي -رحمه الله وطيب ثراه- إن كان فهمي لكلامه كما ذكرتُ، واستدلال الإمام الشافعي-رحمه الله- بقصة حاطب على هذه الصورة في الحكم عليها بأنها ليست بكفرٍ بين، لا يظهر، فليس فيما فعله حاطب رضي الله تعالى عنه شيئٌ من التأييد للكفار على المسلمين، ولا يلمس منه أدنى إشارة إلى وجود رائحة الممالأة لا من قريب ولا من بعيد، وإنما هي كما ذكرت من قبل: إفشاءٌ مجردٌ لسر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في ذاته عظيمة من العظائم، وإنما قارب المظاهرة وكان التكفير به محتملًا؛ لأن الإفشاء كان للمشركين، والله تعالى أعلم.
وقد رأيت بعض فضلاء المعاصرين قد وجه كلام الشافعي الأخير توجيهًا جعل فيه النكاية الحاصلة للمسلمين إنما هي من الكافر (المؤيَّد) لا من المسلم (المؤيِّد) ، فيكون ذلك الكافر هو الذي باشر الفعل وتولى أمر النكاية، ولا أرى كبير تأثير في هذا التقرير والتوجيه والله أعلم.
فقد قال الأستاذ عبد الله بن صالح العجيري: [والصواب في فهم كلامه عليه رحمة الله أن المتقدم هنا في النكاية الكافر لا المسلم، فالكلام لا يخرج عن ذكر صور إضرار الجاسوس فهو قد يدل على عورة مسلم، أو يؤيد الكفار بقول شيء يحذره فيه من أن المسلمين يريدون منه (أي الكافر) غرة فيحذر (الكافر) منها، أو يؤيد المسلمُ الكافرَ بخبرٍ فيتقدم (الكافر) في نكاية المسلمين، وهذا بيّن بحمد الله] (تحقيق مناط الكفر في باب الولاء والبراء: 21) .
هذا وليس مقصودي هنا هو ادعاء الإجماع على كفر الجاسوس المنتسب للإسلام، فاختلاف العلماء في ذلك مشهور كما ستأتي أقوالهم في المطلب الآتي، وإنما المردود هو دعوى اختلافهم في كفر من ظاهر المشركين على المسلمين، ومحاولة نقض هذا الإجماع بالاستدلال بقصة حاطب رضي الله تعالى عنه، أو بالتعلق بشيء من العبارات المشتبهة لبعض العلماء، وأقبح من هذا من يجعلها أصلًا محكمًا ويحاول جهده حمل الأحكام الواضحة الجلية القطعية عليها تعسفًا وتكلفًا فيُحدث اضطرابًا في الأحكام ويبتدع أقوالًا مما لم تسمع به الأوائل، وما أجمل ما قاله الشيخ علوي السقاف في جواب له عن قصة حاطب: [وليعلم أنه لم يقل أحدٌ من أهل السنة أنَّ حاطبًا -رضي الله عنه- كَفَر، أو أنَّ ما صدر منه ليس موالاةً أو ذنبًا، أو أنَّ مظاهرة الكافرين على المسلمين ليست كفرًا، فكلُّ ذلك