فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 145

الأبدان، كما قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: [وأيضًا فإن الله تعالى سن في المحاربين أنهم إن تابوا من قبل القدرة عليهم قبلت توبتهم ولا تنفعهم التوبة بعد القدرة عليهم، ومحاربة الزنديق للإسلام بلسانه أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه؛ فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان وفتنة الزنديق في القلوب والإيمان فهو أولى ألا تقبل توبته بعد القدرة عليه] (إعلام الموقعين: 3/ 130) .

ومن هذه الحيثية فإن الأضرار التي تحصل من قبل الجواسيس قد تكون في بعض حالاتها شاملة للأبدان والأموال والأديان، وهذا ظاهرٌ ملموسٌ في حياة المسلمين لا سيما في ساحات القتال والجهاد، فبأخبارهم الخفية التي يوصلونها إلى أعداء الدين، تسفك الدماء، وتنتهك الأعراض، وتأسر الخيار، وتدمر البيوت والمراكز، وتحرق القرى، وفوق ذلك تحفظ ثكنات الكفرة، ومؤسساتهم، التي تبث الكفر والإلحاد والمجون والانحلال ليلًا ونهارًا، حيث نشروا حولها مئات الجواسيس وفرقوهم كالجراد المنتشر، وليس فيما أذكره هنا شيء من المبالغة ولا التفخيم ولا التهويل، بل الحقيقة أضعاف أضعاف هذا، وليس الخبر كالمعاينة.

فلئن كان قطاع الطرق يرصدون (الضعفاء) في الطرقات ويقتصرون -غالبًا- على قتل من يمانعهم من سلب المال، فإن أخبار الجواسيس قد تؤدي إلى قتل العشرات من الرجال والنساء والولدان في لحظة لا تتجاوز الثانية عبر الصواريخ التي تصبب حممها وفقًا للمعلومات (الدقيقة) التي قدمها أولئك الجواسيس إلى أسيادهم الكفرة.

وقد ذكر بعض العلماء أن ضرر الجاسوس أشد من ضرر المحارب مؤيدًا بذلك ما ذهب إليه الإمام ابن القاسم فقد قال ابن رشد الجد: [قول ابن القاسم هذا صحيح لأنه أضر من المحارب.] (التاج والإكليل لمختصر خليل: 5/ 160) .

وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب قتل الجاسوس إذا ترتب على جسه ضررٌ من قتل للنفوس، وتوهين للإسلام، وجعلوه في حكم المحارب من هذه الجهة فقال الإمام الذهبي -رحمه الله-:[الكبيرة التاسعة والستون: من جس على المسلمين ودل على عورتهم:

فيه حديث حاطب بن أبي بلتعة وأن عمر أراد قتله بما فعل، فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتله لكونه شهد بدرًا، إذا ترتب على جسه وهن على الإسلام وأهله، وقتل، أو سبي، أو نهب، أو شيء من ذلك، فهذا ممن سعى في الأرض فسادًا وأهلك الحرث والنسل فيتعين قتله وحق عليه العذاب. فنسأل الله العفو والعافية] (الكبائر: 1/ 92) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت