مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: 33 - 34] .
بل لا ينبغي أن يُختلف في أن ما يحصل من الأضرار الواسعة والمفاسد العريضة بسبب تجسس هؤلاء هو أكبر بكثير مما يحصل على أيدى قطاع الطرق الذين لا يكاد يتجاوز تعديهم -غالبًا- قافلة أو سيارة أو عددًا محدودًا من الناس، ومع ذلك أنزل الله فيهم هذه العقوبة القاسية والنكال البليغ وسماهم محاربين لله ورسوله وساعين في الأرض بالفساد، فكيف بمن تكون حربه لله ولرسوله وللمؤمنين حقيقة يدركها كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وفسادهم في الأرض أظهر من أن يظهر، وأشهر من أن يشهر، وهل هناك فساد أعظم من تمهيد السبيل لتسلط أعداء الله من اليهود والنصارى والمرتدين وإعانتهم على أخذ ديار الإسلام ودلالتهم على الفجوات التي منها يخلصون والثغرات التي من خلالها ينفذون؟
وقد رأينا كيف نص أكثر من عالم على أنهم أضر من المحارب، وزيادة ضررهم على المحارب لا تذكر ليعرف به مجرد وصفهم ويغلظ بسببه القول فيهم وعليهم، وإنما لما يترتب على ذلك من تغليظ الحكم في حقهم، ومضاعفة العقوبة تبعًا لتضاعف ضررهم واتساع شرهم.
فهم أولى بأن لا تقبل توبتهم بعد القدرة عليهم، ويتعين قتلهم لشدة ضررهم وعِظم نكايتهم وظهور فسادهم، والآية المذكورة وإن كان العلماء يذكرونها في أحكام قطاع الطرق إلا أن كثيرًا منهم يستدلون بها على غير ذلك، ويجعلون الأوصاف التي ذكرت فيها (المحاربة والفساد في الأرض) أعم من كونها مقتصرة على قطاع الطرق، وفي مثل هذا يقول شيخ الإسلام -رحمه الله-: [فكل من امتنع من أهل الشوكة عن الدخول في طاعة الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله، ومن عمل في الأرض بغير كتاب الله وسنة رسوله فقد سعى في الأرض فسادا؛ ولهذا تأول السلف هذه الآية على الكفار وعلى أهل القبلة، حتى أدخل عامة الأئمة فيها قطاع الطريق الذين يشهرون السلاح لمجرد أخذ الأموال، وجعلوهم بأخذ أموال الناس بالقتال محاربين لله ورسوله ساعين في الأرض فسادا، وإن كانوا يعتقدون تحريم ما فعلوه ويقرون بالإيمان بالله ورسوله.
فالذى يعتقد حل دماء المسلمين وأموالهم، ويستحل قتالهم أولى بأن يكون محاربًا لله ورسوله ساعيًا في الأرض فسادًا من هؤلاء، كما أن الكافر الحربي الذى يستحل دماء المسلمين وأموالهم ويرى جواز قتالهم أولى بالمحاربة من الفاسق الذي يعتقد تحريم ذلك، وكذلك المبتدع الذى خرج عن بعض شريعة