رسول الله وسنته واستحل دماء المسلمين المتمسكين بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته وأموالهم هو أولى بالمحاربة من الفاسق وإن اتخذ ذلك دينًا يتقرب به إلى الله، كما أن اليهود والنصارى تتخذ محاربة المسلمين دينًا تتقرب به إلى الله] (مجموع الفتاوى: 28/ 470) .
وقال أيضًا -رحمه الله-: [لأن المحاربة باللسان كالمحاربة باليد ... ومن هذا الباب الجاسوس المسلم الذي يخبر بعورات المسلمين، ومنه الذي يكذب بلسانه أو بخطه أو يأمر بذلك حتى يقتل به أعيان الأمة علماءَها وأمراءَها فتحصل أنواع من الفساد كثيرة، فهذا متى لم يندفع فساده إلا بقتله فلا ريب في قتله، وإن جاز أن يندفع وجاز أن لا يندفع قتل أيضًا وعلى هذا جاء قوله تعالى:"من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض"وقوله:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا"] (الاختيارات العلمية: 1/ 263) .
وإذا كان العلماء قد ذكروا أن الربيئة من قطاع الطرق يتعين قتلهم مع أنه لم يباشر القتل أصلًا، وإنما لكونه عينهم وجاسوسهم وراصدهم الذي يعينهم في قتالهم بإخبارهم من يأتي، لهم مما يؤدي لدوام شرهم وظلمهم، والربيئة: هو الذي يقف على مكان عالٍ لينظر للمحاربين من يجيء، أوَليس هؤلاء الجواسيس المعينون (للمحاربين لله ولرسوله وللمؤمنين) أولى بأن يستحقوا هذه العقوبة، فإن مباشرتهم للفعل ألصق وأظهر من أولئك، وضررهم أعم وأوسع، ومهنتهم أشنع وأبشع، فهم جزءٌ من الطائفة التي يعينونها ويترصدون لها ويمدونها بمعلوماتهم التي يجمعونها بل ويشاركونها مشاركة مباشرة في جرائمهم، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [واذا كان المحاربون الحرامية جماعةً، فالواحد منهم باشر القتل بنفسه والباقون له أعوان وردء له، فقد قيل إنه يقتل المباشر فقط، والجمهور على أن الجميع يقتلون ولو كانوا مائة، وأن الردء والمباشر سواء، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ربيئة المحاربين، والربيئة هو الناظر الذى يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء، ولأن المباشر إنما تمكن من قتله بقوة الردء ومعونته، والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم مشتركون في الثواب والعقاب] (مجموع الفتاوى: 28/ 311) .
وعليه فخلاصة القول في هذا القسم من الجواسيس: أن مَن ثبت عليه إعانة الكفار على المسلمين بنقل أخبارهم إليهم جرى عليه حكمُ الزنديق في القتل، فإن جاء تائبًا من عند نفسه وقبل القدرة عليه قبلت توبته وسقط عنه القتل، وأما مَن اطُّلِع عليه وهو لا يزال متلبسًا بمهنة التجسس المذكورة فيتعين قتله سواء ادعى توبة أم لم يدَّعِ، وهذا من حيث أصل الحكم وأساسه