قال القاضي عياض المالكي -رحمه الله-:[وقول عمر: (دعني أضرب عنقه) : حجة في جواز قتل الجاسوس المسلم، فإن النبى - عليه الصلاة والسلام - لم ينكر ذلك من قول عمر، وإنما عذره بغفران الله لأهل بدر ذنوبهم؛ ولأنه لم يكن منه قبل مثلها.
فيه حجة لمن لا يرى أن حده القتل بكل حال، وأن للإمام الاجتهاد فيه ألا يقتله، وهو قول مالك.] (إكمال المعلم شرح صحيح مسلم: 7/ 271) .
قال الإمام الشوكاني -رحمه الله-: [قوله: (إنه قد شهد بدرًا) ظاهر هذا أن العلة في ترك قتله كونه ممن شهد بدرا، ولولا ذلك لكان مستحقًا للقتل ففيه متمسك لمن قال: إنه يقتل الجاسوس ولو كان من المسلمين.] (نيل الأوطار: 12/ 228) .
وقال السهيلي -رحمه الله-: [وفي الحديث دليل على قتل الجاسوس؛ فإن عمر -رضي الله عنه- قال: دعني فلأضرب عنقه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع إلى أصحاب بدر"... الحديث، فعلق حكم المنع من قتله بشهود بدر، فدل على أن من فعل مثل فعله وليس ببدري أنه يقتل] (الروض الأنف: 4/ 150) .
ولهذا فالذين منعوا قتل (الجاسوس المسلم) محتجين بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: [لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيب الزاني والمارق لدينه التارك للجماعة] متفق عليه، يظهر -والله أعلم- أن احتجاجهم غير مسلَّم، لوجود حالات زائدة عن هذه الثلاثة جوز فيها الشرع قتل المسلم كقاطع الطريق، وفاعل فعل قوم لوط وغيرهما.
وقد عدد الإمام ابن رجب الحنبلي -رحمه الله- كثيرًا من الصور التي أبيح فيها دم المسلم سوى الثلاث التي ذكرت في هذا الحديث ثم قال: [ومنها: قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للكفار على المسلمين، وقد توقف فيه أحمد، وأباح قتله طائفة من أصحاب مالك وابن عقيل من أصحابنا، ومن المالكية من قال إن تكرر ذلك منه أبيح قتله، واستدل من أباح قتله بقول النبي صلى الله عليه و سلم في حق حاطب بن أبي بلتعة لما كتب الكتاب إلى أهل مكة يخبرهم بسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ويأمرهم بأخذ حذرهم فاستأذن عمر في قتله فقال:"إنه شهد بدرا"فلم يقل إنه لم يأت بما يبيح دمه، وإنما علل بوجود مانع من قتله وهو شهوده بدرا، ومغفرة الله لأهل بدر، وهذا المانع منتف في حق من بعده] (جامع العلوم والحكم: 129) .