الجواب: الظاهر الشبهة منع من تكفيره وقتله، الشبهة كونه من أهل بدر، وكونه تأول اجتمع له التأويل، والحديث الصحيح: اعملوا ما شئتم، فصار شبهة في قتله وكفره جميعا، وإلا لا شك أن التجسس تول للمشركين ردة يوجب القتل، ولهذا لما جاء عين للمشركين يتجسس أمر بقتله عليه الصلا ة والسلام. اهـ] (شرح زاد المعاد، نقلًا عن أرشيف ملتقى أهل الحديث]
فالذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن الراجح في حق مثل هذا هو ما ذهب إليه الإمام مالك وابن عقيل من الحنابلة واختاره الإمام ابن القيم رحمهم الله جميعًا، من أن عقوبته تعزيرية قد تصل إلى القتل، والدليل على ذلك هو قصة حاطب نفسها كما نقلتُ استنباط عدد من العلماء هذا الحكم منها، فعمر رضي الله تعالى قد استحل قتل حاطب رضي الله عنه بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وبنى هذا الحكم على كون حاطب قد نافق أو كفر فيخرج من هذا عدة أمور:
الأمر الأول: أن عمر -رضي الله عنه- قد طلب قتل حاطب من غير استتابة، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [و يدل على جواز قتل الزنديق المنافق من غير استتابة ما خرجاه في الصحيحين عن علي في قصة حاطب بن أبي بلتعة فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه و سلم:"إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"؛ فدل على أن ضرب عنق المنافق من غير استتابة مشروعٌ إذ لم ينكر النبي صلى الله عليه و سلم على عمر استحلال ضرب عنق المنافق، ولكن أجاب بأن هذا ليس بمنافق ولكنه من أهل بدر المغفور لهم، فإذا أظهر النفاق الذي لا ريب أنه نفاق فهو مباح الدم] (الصارم المسلول:1/ 358) .
الأمر الثاني: تعليق عمر رضي الله عنه جواز قتله لحاطب على نفاقه الذي اعتقده فيه، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم هذا التعليق، وإنما نهى عن قتله من جهة بيان وجود مانعٍ وهو شهود حاطب لبدر وهي خصيصة له منتفية في حق غيره، وعلمنا من ترك النبي صلى الله عليه وسلم لحاطب، وإخباره بمغفرة الله لأهل بدر، وقوله في حق حاطب (قد صدقكم) أن حاطبًا لم يكن منافقًا، وأن مَن فعل مثل فعله جاز قتله لعدم وجود المانع من ذلك وهو شهود بدرٍ.
ولو كان المانع من قتل حاطب هو إسلامه، لما كان لذكر شهوده بدرًا فائدة، ولقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: كيف تقتله وهو مسلمٌ؟!