فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 71

وبلا أية مواراة، في الإستراتيجية الأمريكية في العراق، وفي متعلقاتها، من بحوث ومقالات وتعليقات وتصريحات واستجوابات وشهادات وبيانات ومناظرات وتحليلات.

«ما يجري في المنطقة هو الجنون .. قبل بضع سنوات كنا نستطيع التنبؤ بالأحداث لعشرين أو ثلاثين سنة قادمة لكننا اليوم لا نستطيع التنبؤ بما يحدث ولو لسنة أو سنتين ... فالأحداث تتغير بشكل يومي» !!! أو هكذا. عبارة قالها المؤرخ العراقي د. سيار الجميل، في مقابلة له على قناة «الجزيرة» في برنامج «في العمق - 19/ 1/2015» .

في هذا الخضم، مما يمكن تسميته فعلا بمهرجان الجنون، قد يكون من الممكن تصنيف المواضيع المتشعبة والغوص فيها وتوثيقها، لكن البحث عن الخيط الذي يفكفك العقد التي خلفها هذا الجنون، سيكون بالغ الصعوبة. وفي خضم هذا الجنون أيضا، تبرز عدة مشاهد في المتابعة والتقييم، ليس بعيدا منها (1) مشهد دولة قادت العالم، وتزاحم على الاحتفاظ بالقيادة والهيمنة والتفوق، لعشرات السنين القادمة لكنها تعيش، على وقع الصراعات الأيديولوجية والإدارية بين الوكالات والأجهزة المتنافسة، في حالة غير مسبوقة من الفوضى، ولا غريبا عنها (2) ذلك المشهد الذي يشي بخدعة ما أو حتى مؤامرة، حققت نجاحا منقطع النظير، في تضليل عالَم برمته، وأوله عالم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، أو (3) ذلك المشهد الذي ينعطف فيه العالم، أو بلسان الرئيس الأمريكي «يتغير» ، وبموجبه تفقد القوى العظمى السيطرة على مجريات الأحداث.

في السياق؛ فإذا كان من الطبيعي أن تتميز استراتيجيات الأمن القومي بالعمومية، تاركة التفاصيل لما هو دونها من استراتيجيات، فضلا عن ردود الفعل، فإن ما تبع الإستراتيجية الأمريكية في العراق، من ردود ليس أقل من كونها مشهد لمناقشات علنية صارخة، وتفاصيل مملة لحقيقة التراجع الأمريكي في أحط مستوياته. ومع ذلك لا ينبغي الاستسلام للمتشابهات من التصريحات والتعليقات وغيرها؛ والتغافل عن الحقائق التي ميزت التدخل الأمريكي عبر ما عرف بالتحالف الدولي، وما خلفه في العراق وسوريا على السواء، بل وفي المنطقة، من كوارث تنذر بعواقب وخيمة في السنوات القادمة، حتى لو كانت على شاكلة حرب عالمية ثالثة ساحتها دولة كسوريا، بخلاف الحروب السابقة، أو متعددة الساحات كما يتخوف الكثير. وهي مخاوف لم يفلت من إفشائها حتى هنري كيسنجر، وكذا ماجد نواز الذي رأى أن الرئيس الأمريكي، باراك أوباما «لو استخدم صفتين في سياسته الخارجية هما القيادة والرؤية الإستراتيجية» ، لما وصل الحال «أن يقف الشرق الأوسط اليوم على حافة حرب عالمية ثالثة» [1] .

المنطق الأمريكي وغيره يقول بأن الولايات المتحدة سحبت قواتها من أفغانستان والعراق، لتتخلص من الورطة التي وقعت بها، وتسببت بارتفاع مهول بالإنفاق والديون، فضلا عما تعرضت له من استنزاف قيمي، مس مكانة لبلاد في الصميم. والسؤال: إذا كان على الولايات المتحدة أن تتدخل عسكريا في العراق أو سوريا، وفشلت ثانية في الحد من تضخم التيار الجهادي في العالم أجمع، فهل ستسحب جيشها ثانية كما فعلت من قبل؟ ولما يكون الأمر محتملا فلماذا تتدخل من الأصل؟ وماذا سيتبقى لها من نفوذ؟ بل كيف سيكون حال الولايات المتحدة إذا ما تحملت فشلا ذريعا ثانيا في المنطقة؟ ومن أين ستغطي تكاليف التدخل في ظل ديون تفوق إجمالي الناتج القومي؟

(1) «كيف فقد أوباما الشرق الأوسط؟» ، 24/ 2/2016، موقع «الجزيرة نت» ، على الشبكة: http://cutt.us/yNQrt

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت