فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 71

وإذا كانت الولايات المتحدة تتلقى مثل هذه التساؤلات؛ فهل بمقدور الدول العظمى الأدنى مكانة ونفوذا وتفوقا أن تتلقى مثلها أو أقل منها؟

الحقيقة أن مثل هذه التساؤلات المرعبة، التي لم يختبر آثارها ميدانيا أية دولة في العالم كما اختبرتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، هي التي تلقي بأثقل الظلال القاتمة على وثائق استراتيجيات الأمن القومي، وما دونها من استراتيجيات، فضلا عن إجمالي السياسات الأمريكية. وهي الأسئلة التي ظلت، ولمّا تزل تمثل أبرز الكوابح الحاسمة في أي تدخل أمريكي محتمل «وسط تحذيرات من التهديدات المتزايدة للأمن القومي الأميركي، خاصة القوة المتزايدة للجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة» وفقا لرؤية صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور - 5/ 2/2014» الأمريكية، والتي تظن أيضا أنه من سوء الطالع أن «تهديد القاعدة .. والجماعات التابعة لها .. في سوريا وصل إلى تلك النقطة التي من المرجح أن تدفع إلى استخدام القوة» .

ومع ذلك، وعشية وقوع مدينة الموصل العراقية بيد «الدولة الإسلامية في العراق والشام - 10/ 6/2014» ، وما تبعه من بدءٍ للضربات الجوية في العراق وسوريا، أصر الرئيس الأمريكي أمام محاوره من شبكة «bloombergview [1] - 5/3/2014» ، على ما اعتبره موانع من التدخل في سوريا قائلا: «لقد قدمنا المساعدات العسكرية للمعارضة المعتدلة في سورية، وفعلنا ذلك بطريقة اكبر مما يمكن للمعارضة استيعابه، ولكن الحقيقة هي انك إذا حاولت تغيير الوقائع العسكرية على الأرض، كان ذلك سيتطلب نوعا من التدخل للقوات الأميركية المسلحة كبيرا، إلى درجة أننا سنحتاج إلى تفويض دولي للقيام به، فأنت ليس لديك تفويض من الأمم المتحدة، ولا من الكونغرس، ورأينا ما حصل (في الكونغرس) حتى في موضوع محصور بالأسلحة الكيماوية» .

بطبيعة الحال؛ فإن تصريحات الرئيس الأمريكي تقع في نطاق إستراتيجيتا 2010 و 2015، اللتان شددتا على الالتزام بمكانة القيم الأمريكية، والتقيد بها محليا، كمؤشر على انضباط الولايات المتحدة، وتوافق سياساتها مع القانون والمعايير الدولية للتدخل. لذا فإن الجدل حول طلب تفويض من الكونغرس الأمريكي يسمح بالتدخل، إنما يرجع في جزء منه إلى قيود الاستراتيجيات ذات المنزع الأيديولوجي، وفي جزء آخر إلى المراوغات الساعية في الحقيقة، إلى التهرب من التدخل ذاته. وهو ما عبر عنه الكاتب الأمريكي، ديفيد إغناتيوس، في مقالته بصيحفة «الواشنطن بوست - 28/ 3/2014» حين قال بأن أوباما: «انتهج نهجا براغماتيا تجاه سوريا بإعطاء الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أيه) الدور الرئيسي بمساندة وزارتي الخارجية والدفاع» [2] . وفي لكن زميله ريتشارد كوهن كان أكثر وضوحا منه، حين أقرّ بأن: «أوباما يبدو غير مبال بشأن حمام الدم الذي يتدفق في سوريا، والذي ينذر بحمام دم على المستوى الإقليمي» ، و: «أن الأحداث تتكرر بدمشق، وإن الفوضى تدب في البلاد من جديد، ولكن أوباما لا يبدو مهتما بوقف الحرب التي تنذر بالانتشار على المستوى الإقليمي» [3] .

(1) «أوباما: على شركائنا السنّة التكيّف مع التغيير في علاقتنا بإيران» ، شبكة «bloombergview - 5/3/2014» ، واشنطن، تقرير: حسين عبدالحسين.

(2) «التوجه البراغماتي لأوباما تجاه سوريا» ، 28/ 3/2013، موقع «الجزيرة نت» ، على الشبكة: http://cutt.us/RlIHs

(3) نفس المرجع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت