هذا ما شهد به القائد العام السابق للقوات الأمريكية في أوروبا، والقائد العام لحلف الناتو 1997 - 2001، وأحد المرشحين الديمقراطيين لسباق الرئاسة سنة 2004، الجنرال ويسلي كلارك [1] ، في مؤتمر «الديمقراطية الآن» ، خلال مقابلة تلفزيونية في 2/ 3/2007، كشف فيها عن مذكرة تظهر أن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش الابن، خططت للسيطرة على سبع دول في ظرف خمس سنوات، هي العراق وسوريا ولبنان وليبيا والصومال والسودان وإيران.
كانت النتائج بالغة السلبية على نفوذها ومكانتها؛ لأن الولايات المتحدة لم تلجأ إلى ترجمة «التساؤلين» إلى لغة استراتيجية تسترشد بها. وما بين سنتي 2010 و 2015 أصدرت الولايات المتحدة إستراتيجيتين للأمن القومي. لكن السؤال ليس فيما إذا نجحت أمريكا بهما في تجاوز منطق الأيديولوجيا؛ بل فيما إذا أضحت الأيديولوجيا هي المنطق الوحيد الذي تصاغ به الاستراتيجيات الأمريكية؟ وفي الكم الهائل من التناقضات التي لا تجد لها تفسيرا لدى المؤيدين والمعارضين لسياسات الرئيس الأمريكي إلا «التخبط» و «الإرباك» .
ثمة إقرار أمريكي، وغير أمريكي، بتراجع «الدور القيادي» الذي تلعبه الولايات المتحدة على مستوى العالم، وما يوازيه من إقرار بتراجع في «المكانة» التي تتمتع بها. وهو تراجع يلقي بثقله على مضمون الإستراتيجية القومية، وما دونها من الاستراتيجيات التي تسترشد بها. أما النقاشات الدائرة حول الإستراتيجية القومية لسنة 2015 فجاءت بمثابة الصدى لتلك «النقاشات» الدائرة حول مكانة أمريكا ومصير النظام الدولي، والتي تدور رحاها بالأساس في أمريكا وأوروبا.
لكن سواء كان التراجع بفعل عوامل خارجية أو داخلية، فسوف يظل في النهاية خصما من المكانة والنفوذ. والسؤال هنا: ما هو مقدار التراجع؟ وما هو مستوى الخصم؟ وهل سيؤديان إلى نوع من الانزواء، بما يكفي لإعادة الولايات المتحدة إلى عزلتها عن العالم؟ أم إلى نهاية الدور الأمريكي؟
كان سقوط الرئيس العراقي الأسبق، صدام حسين، وكذا الاتحاد السوفياتي، وسيادة الأحادية القطبية، من أبرز تداعيات حرب الخليج الثانية سنة 1992. وفي تلك الفترة كان هناك إستراتيجية أمريكية كتب عنها السفير ومساعد وزير الخارجية الأمريكية، Martin S. Indyk، في مقالته: «عودة إلى لعبة الشرق الأوسط [2] - 17/ 2/2015» ، قال فيها:
«كان للولايات المتحدة إستراتيجية للشرق الأوسط عرفت بإستراتيجية الأعمدة، وأساسها العمل مع القوى الإقليمية الملتزمة بالحفاظ على الوضع القائم - إيران والسعودية وإسرائيل وتركيا» . لكن «بعد عام 1992، حين أصبحت
(1) «شهادة الجنرال الأمريكي ويسلي كلارك» ، مقابلة مع الصحفية Amy Goodman، موقع «يوتيوب - 20/ 3/2011» ، على الشبكة: http://cutt.us/RVZqu، وكذلك رابط آخر بعنوان: «gegen den Irak, Iran, Syrien und Libyen seit langem geplant» : http://cutt.us/DpcGJ