فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 71

بل أن مثل هذا التغيير الديمغرافي، لا بد وأن يتم بوسائل عسكرية، وحروب يصعب التنبؤ بنهاياتها، إلى أن تستقر الأمور على ما يرغب به النظام الدولي أو يلائم حساباته. تبعا لذلك؛ سيكون هناك دماء ودمار وقتل وتشريد وتعذيب وتخريب وانتهاكات بالغة الفظاعة. ولتحقيق ذلك فإن الحاجة تبدو ماسة إلى أيديولوجيات شمولية وعنيفة. وفي إطار نظرية «تقاطع المصالح» ، وسواء قبلت «الدولة الإسلامية» أو رفضت، فلن يكون مشروعها في الخلافة، وصراعها مع الطوائف والأقليات، فضلا عن صراعها مع الجماعات الأخرى، إلا أفضل عرض، لا يمكن للأمريكيين والصفويين أن يرفضوه، إلا إذا كانت نتائج المواجهات في غير صالحهم على الأرض.

مع نهايات سنة 2015 لم يعد خافيا حجم المشروع الديمغرافي الجاري العمل عليه من قبل أطراف النظام الدولي والإيرانيين والنظم الطائفية في سوريا والعراق. لكن التسريبات الأولى لهذا المشروع، والتي مثلت أولى الاعترافات الأمريكية جاءت على وقع المواجهات الطاحنة التي شهدتها محافظة تكريت العراقية وهي تخلف دمارا شاملا للمدينة وآلاف القتلى. في هذا الخضم الدموي نشرت مجلة «فورين بوليسي - 30/ 3/2015» الأمريكية تقريرا مطولا عن وقائع المواجهات، ختمته بالقول: «سواء تم التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران أم لا فإن الحقيقة التي لا ريب فيها هي أن معظم العراق يبدو على المدى الطويل ولاية فارسية تابعة لرجال الدين الإيرانيين، وأن هذا الأمر سيقود إلى المزيد من العنف الطائفي والحرب الأهلية، وأن أميركا توفر غطاء جويا لتطهير عرقي في العراق» [1] .

لا شك أن الحديث عن عمالة «الدولة الإسلامية» لإيران أو للولايات المتحدة، وفق هذا البحث، هو حديث عبثي، إنْ لم يكن حديث سفهاء. فلا الغربيين يقولون بهذا ولا الإيرانيين، ولا العقل، ولا الواقع، ولا الحقائق. وقد أثير هذا الأمر في نطاق السياسات الدولية واحتياجاتها. ولاحظه أحد مراسلي قناة «الجزيرة» في لندن، محمد أمين، في أعقاب مقالة للكاتب البريطاني، شيماس ميلين، تسببت في إعادة الجدل حول حقيقة إسهام الولايات المتحدة والغرب في نشوء «تنظيم الدولة الإسلامية» . ومما قاله ميلين أن: «دعم واشنطن للمعارضة المسلحة ليس معناه أنها أوجدت تنظيم الدولة» . أما «القناة» فنقلت، من جهتها، عن محللين وعسكريين تحدثوا إليها قولهم أن: «أميركا ودول الغرب لم تصنع تنظيم الدولة، لكنها ربما استفادت من ظهوره ودعمته» ، بالإشارة إلى إسقاط الأمريكيين لأسلحة في مناطق سيطرة «الدولة» . وفي السياق، يقول أكاديمي بريطاني أن: «واشنطن لم تصنع التنظيم لكنها أسهمت بشكل غير مباشر في تمكنيه وتعزيز شوكته عبر دعمها المعارضة المسلحة بسوريا» . وهو ما يعتقده مدير مركز الأديان والصراعات بجامعة لندن متروبوليتان، جيفري هانز، بالإشارة إلى أنه: «من المؤكد أن أميركا شجعت ضمنيا تنظيم الدولة عن طريق دعم الجماعات المسلحة المتمردة المناهضة للحكومة السورية» لكن «الدعم الضمني لا يعني أنها خلقت التنظيم فهما أمران مختلفان» . لذا فهو: «يختلف مع من يقول إن أميركا صنعت تنظيم الدولة» ، إذ: «ليس من الدقة توصيف الأمر بهذا الشكل، كما لا توجد أدلة على أن واشنطن خلقت التنظيم» [2] .

(1) «فورين بوليسي: أميركا توفر غطاءً جويا لتطهير عرقي بالعراق» ، 30/ 3/2015، موقع «الجزيرة نت» ، على الشبكة: http://cutt.us/NWpEl

(2) «هل للغرب دور في صناعة تنظيم الدولة؟» ، 6/ 6/2015، موقع «الجزيرة نت» ، على الشبكة: http://cutt.us/JDmRJ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت