وقد أورد ابن الجوزي أسماءهم في مواضع متفِّرقة من كتابه"صيد الخاطر"وكان يصًرحُ بالسماع ِ عنهم بصيغة:"حدثني"و"أخبرنا"و"أنبأنا". وقد يذكر سماعه من الشيخ باسمه، أو يكنيه، أو يلقبه بلقبه الشهير، أو يذكره على جهة التوقير كعبارة"شيخنا". (1)
وفي كتابه"صيد الخاطر"أثنى ابن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ على اثنين من أشدّ العلماء تأثيرًا في نفسه، وهما:"عبد الوهاب الأنماطي"و"أبو منصور الجواليقي". رحمهما الله تعالى. فقد قال في بعض خواطره: " لقيت مشايخ، أحوالهم مختلفة، يتفاوتون في مقاديرهم في العلم، وكان أنفعهم لي في صحبته: العامل منهم بعلمه، وإن كان غيره أعلم منه. ولقيتُ جماعة من علماء الحديث يحفظون ويعرفون، ولكنهم كانوا يتسامحون بغيبة، يخرجونها مخرج جرح وتعديل، ويأخذون على قراءة الحديث أجرة، ويسرعون بالجواب لئلا ينكسر الجاه وإن وقع خطأ. ولقيت"عبد الوهاب الأنماطي"فكان على قانون السلف، لم يسمع في مجلسه غيبة، ولا كان يطلب أجرًا على سماع الحديث، وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق بكى واتصل بكاؤه. فكان ـ وأنا صغير السن حينئذٍ ـ يعمل بكاؤه في قلبي، ويبني قواعد. وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل. (2) "
ولقيت الشيخ أبا منصور الجواليقي، فكان كثير الصمت، شديد التحري فيما يقول، متقنًا، محققًا.
وربما سئل المسألة التي يبادر بجوابها بعض غلمانه، فيتوقف فيها حتى يتيقن، وكان كثير الصوم والصمت. فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما. ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول. ورأيت مشايخ كانت لهم خلوات في انبساط ومزاح، فروحوا عن القلوب، وبدَّد تفريطهم ما جمعوا من العلم، فقلّ الانتفاع بهم في حياتهم، ونُسُوا بعد مماتهم، فلا يكاد أحد يلتفت إلى مصنَّفاتهم" (3) ."
وقد حكى ابن الجوزي طرفًا من سيرته في التعرف على أهل العلم فقال:"ولقد وفق لي شيخنا أبو الفضل بن ناصر ـ رحمه الله ـ وكان يحملني إلى الشيوخ، فأسمعني"المسند"وغيره من الكتب الكبار، وأنا لا أعلم ما يراد مني، وضبط لي مسموعاتي إلى أن بلغت، فناولني ثبتها، ولازمته إلى أن توفي ـ رحمه الله ـ فنلت به معرفة الحديث والنقل". (4)
وقال:"فلما فهمت الطلب كنت ألازم من الشيوخ أعلمهم، وأوثر من أرباب النقل أفهمهم، فكانت"
همتي تجويد العُدَد، لا تكثير العَدَد" (5) . وقال في آخر"المشيخة":"هذا آخر المشايخ الأكابر، وقد
(1) انظر"صيد الخاطر": الصفحات: (29، 45، 110، 132، 160، 233، 281، 326، 328، 334، 340، 399) .
(2) هذا من أدب ابن الجوزي مع شيوخه، رحم الله الجميع. ومقصوده أنهم على صفة علماء الشَّرع في القرون المفضَّلة عِلمًا وخلقًا وتربيةً. وخُلق ابن الجوزي هذا مع مشايخه يُعد من الوفاء ومعرفة الفضل لأهل الفضل، وهو دليل على إفادة ابن الجوزي من علم شيوخه وتربيتهم، فما أعظمها من غِبطه؟!.
(3) "صيد الخاطر": (ص / 132 ـ 133) .
(4) ابن الجوزي:"لفتة الكبد": ... (ص / 33 ـ 34) .
(5) ابن الجوزي:"المشيخة": (ص / 59) .