فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 249

المبحث الأول: اسم الكتاب ومدلوله الاصطلاحي والشرعي.

المتأمل في حياة ابن الجوزي يلحظ أن أبا الفرج صاحب شخصية تأملية ناقدة , و قد رُزِقَ حظا من البصيرة بأحوال الناس و المجتمعات بسبب اتساع معارفه و ظروف نشأته وكثرت تجاربه ومشاهداته. وقد كان صاحب حدس وفراسة في الحكم على مشاهداته ومسموعاته. وأسوق هنا مثالين للتدليل على هذا:

الأول: قوله:"مّر بي حمالان تحت جذع ثقيل وهما يتجاوبان بإنشاد النغم وكلمات الاستراحة,"

فاحدهما يصغي إلى ما يقوله الأخر , ثم يعيده أو يجيبه بمثله , والآخر همته مثل ذلك. فرأيت أنهما لو لم يفعلا هذا, زادت المشقة عليهما وثقل الأمر، وكلما فعلا هذا هان الأمر.، فتأملت السبب , فإذا به تعليق فكر كل واحدٍ منهما بما يقوله الآخر , وطربه به , و إجالة فكره في الجواب بمثل ذلك , فينقطع الطريق , وينسى ثقل المحمول. فأخذت من هذا إشارة عجيبة , ورأيت الإنسان قد حُمّل من التكاليف أمورًا صعبة , ومن أثقل ما حُمّل مداراة نفسه وتكليفها الصبر عما تحب وعلى ما تكره , فرأيت الصواب قطع طريق الصبر بالتسلية والتلطف للنفس كما قال الشاعر:

فان تشكت فعللها المجّرة من: ضوء الصباح وعدها بالّرواح ضُحى. (1)

الثاني: قوله:"والله لقد رأيت من يكثر الصلاة والصوم والصمت , ويتخشع في نفسه ولباسه , والقلوب تنبو عنه, وقدره في النفوس ليس بذاك , ورأيت من يلبس فاخر الثياب, وليس له كبير نفل ولاتخشع , والقلوب تتهافت علي محبته, فتدبرت السبب , فوجدته السريرة". (2)

(1) "صيد الخاطر": (الخاطرة رقم: 59) .

(2) المرجع نفسه: (الخاطرة رقم: 148) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت