فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 249

توطئة:

وقع ابن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ في زلات عقدية طفحت بها بعض مصنفاته، ولا ريب أن أبا الفرج ظل ردحًا من الزمن يدعو إلى توحيد الله تعالى وتحقيق مراتب الدين وإقامة دعائم الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهذه الأعمال الجليلة التي أفنى ابن الجوزي عمره في العمل بها ولها؛ تجعل المحقق في معتقد ابن الجوزي يٍحسن الظن به وبمنهجه، لأنه لم يكن من دعاة البدعة ولا من رؤوس الضلال. (1)

غير أن ابن الجوزي وقع في بعض المنافرات بسبب حِدتَّه وتعصبه وعدم تسليمه لآراء مخالفيه، فكثر منتقدوه، وعظم اللَّوم عليه من الحنابلة ــ أفراد مذهبه ــ وغيرهم من الطوائف والفرق المتعِّددة. وبسبب هذا الاتجاه العقدي عند ابن الجوزي؛ ظل خصومه ينتقدون مسلكه العلمي والأدبي ويرقمون له النصائح والمواعظ كما في رسالة الشيخ إسحاق العلثي (634هـ) التي أوردها ابن رجب في"ذيل طبقات الحنابلة"وهذا نصها:

المبحث الأول: رسالة العلثي لابن الجوزي:

"من عُبَيْد الله"إسحاق بن أحمد بن محمد بن غانم العلثي" (2) ، إلى عبد الرحمن بن الجوزي، حمانا الله وإياه من الاستكبار عن قبول النصائح، ووفقنا وإياه لا تباع السلف الصالح، وبصَّرنا بالسنة السنية، ولا حرمنا الاهتداء باللفظات النبوية، وأعاذنا من الابتداع في الشريعة المحمدية. فلا حاجة إلى ذلك. فقد تركنا على بيضاء نقية، وأكمل الله لنا الدين، وأغنانا عن آراء المتنطعين، ففي كتاب الله وسنة رسوله - صلى"

الله عليه وسلم - مقنع لكل من رغب أو رهب، ورزقنا الله الاعتقاد السليم، ولا حرمنا التوفيق، فإذا حرمه العبد لم ينفع التعليم، وعرفنا أقدار نفوسنا، وهدانا الصراط المستقيم.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وفوق كل ذي علم عليم. وبعد حمد الله سبحانه، والصلاة على رسوله: فلا يخفى أن"الدين النصيحة" (3) خصوصًا للمولى الكريم، والرب الرحيم. فكم قد زل قلم، وعثر قدم، وزلق متكلم، ولا يحيطون به علما. قال عز من قائل: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِير ٍ} (4) . وأنت يا عبد الرحمن، فما يزال يبلغ عنك ويسمع منك، ويشاهد في

(1) وصف بعض المعاصرين عقيدة ابن الجوزي بأنها عقيدة جهمية جَلْده!!، وهذا ظلم وافتراء وخالٍ من الانصاف. انظر:

محمود الحّداد:"المقتنى العاطر من صيد الخاطر"- مكتبة آل ياسر - الجيزة - الطبعة الاولى - 1413ه: (ص / 5) .

(2) إسحاق بن أحمد بن محمد العلثي، فقيه حنبلي زاهد، اشتهر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أنكر على الخليفة الناصر فمن دونه، وواجه الخليفة وصدعه بالحق. سمع من أبي الفتح بن شاتيل، وقرأ بنفسه على ابن الأخضر، وكان فقيهًا عالمًا. له رسائل ونصائح إلى الأعيان. انظر: ابن رجب"ذيل طبقات الحنابلة": (2/ 211) ، و العليمي"المنهج الأحمد": (4/ 228) ، و"الدر المنَضد": (1/ 169) والذهبي:"سير أعلام النبلاء": (23/ 10، 139) ، وتاريخ الإسلام ــ وفيات سنة 634 هـ"."

(3) أخرجه البخاري: (كتاب الإيمان ــ باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"الدين النصيحة"رقم الحديث: 57) وأخرجه مسلم: (كتاب الإيمان ـــ باب أن الدين النصيحة ـــ رقم الحديث: 95) .

(4) سورة الحج: آيه رقم: 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت