الحمد لله الذي علم بالقلم، والصلاة والسلام على نبينا محمد المبعوث إلى خير الأمم، وعلى آله وأصحابه ومن سار على دربهم وأقتفى أثرهم من ذوي الإيمان والعزم والشيم. أما بعد:
فقد كنت مولعًا بكتاب"صيد الخاطر"منذ كنت يافعًا، فقد كان هذا الكتاب المبارك أنيسي وجليسي في كثير من أحوالي وروحاتي. ومما زادني شغفًا به هو ما ألمسه بعقلي وفؤادي بين عباراته واشاراته من فوائد وفرائد أحسب صاحبها .. ولاأ زكي على الله أحدًا - من دعاة الإخلاص الزاهدين. وقد طفقت أنهل من"صيد الخاطر"ردحًا من الزمن حتى أفدت منه فوائد غزيرة، بعضها قواعد وبعضها رقائق والبعض الآخر مرويات مليحة كان ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - يكاد يخفيها بين كلامه، فتظهر جميلة وفريدة كأنما رصعت بالحكمة والنور.
وتلك المرويات التي ساقها ابن الجوزي في خواطره كانت أسلوبًا دعويًا فريدًا أراد منه ابن الجوزي الإشارة إلى أن الدعوة التي لا ترتكز على المرويات النقلية والعقلية لا تكاد تراوح مكانها. وأعتقد أن ابن الجوزي نجح في فكرته الدعوية في"صيد الخاطر"عبر أمرين مهمين:
الأول: إيقاظ قلب المسلم بالرقائق والمواعظ العقلية.
الثاني: شحذ همته وتوعية عقله بالنصوص النقلية.
وقد وجدت من خلال قراءتي لصيد الخاطر أن نصوص المواعظ لم تلق عناية من الباحثين، سواء كانت عناية دعوية بحته، أو عناية حديثية دعوية. فاستخرت الله في كتابة رسالة مختصرة أبين من خلالها حال المرويات الدعوية في"صيد الخاطر"وكيف وظفها ابن الجوزي في كتابه؟! والخواطر التي زل فيها قلم ابن الجوزي!
ولم يكن البحث شاقًا فحسب، بل كان دقيقًا يحتاج إلى أناة وصبر وتأمل. لكن الله أعانني على كثير من مصاعبه وعوائقه بفضله سبحانه.
وقد جمعت ولله الحمد خمس عشرة نسخة من صيد الخاطر قديمة كانت أو جديدة , وقارنت بينها مقارنة علمية , واستشرت بعض أهل العلم المحققين في حالها. ثم شرعت بعد ذلك في البحث والدراسة.
إنني اكاد أجزم أن ابن الجوزي كان صاحب مدرسة دعوية مستقلة، وله باع طويل في الجمع بين المرويات الدعوية التي كرس حياته من أجلها.
انني واثق- بعون الله تعالى- بقيمة هذا البحث الذي عكفت على تدوينه أربع سنين ولله الحمد والمنه.
وسوف تكون رسالتي هذه - إن شاء الله تعالى - دليلا لكل من أراد ان يقتبس من فوائد صيد الخاطر أو يقف على مروياته وموارده وفوائده. أسأل الله ان يغفر لي ولوالدي ولمشايخي وأساتذتي ولكل من أفادني بعلم أو نصيحة. وأبتهل الى الله العلي القدير أن يرحم ابن الجوزي العالم المربي وأن يجمعنا به ووالدينا وأحبابنا في جنات الخلد. وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالميين.