لاريب أنَّ التصنيف زبدة العمر، ووارث العالم المخلَّد، وهو أخو التعليم بالمشافهة، بل إنَّ نفعه أعظم لأنه بذر يكثر ريعه ويمتّد زمانه (1) . وابن الجوزي من حملة العلم الذين رزقوا كثرة التآليف، ففتح الله عليه أبوابه. وقد قال سبطه أبو المظفر (ت 654هـ) إنه سمع جدّه يقول على المنبر في آخر عمره"كتبت بأصبعي هاتين ألفي مجلَّدة" (2) . وقال الحافظ الذهبي (ت748هـ) :"وما علمتُ أحدًا من العلماء صنَّف ما صنَّف هذا الرجل" (3) . وقد سئُل شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) عن ابن الجوزي فقال"كان الشيخ أبو الفرج مفتيًا كثير التصنيف والتأليف، وله مصنَّفات في أمور كثيرة، حتى عددتها فرأيتها أكثرمن ألف مصنَّف، ورأيت بعد ذلك له ما لم أره". (4)
وهنا ملحظ مهم تجب العناية به، وهو أنَّ بعض حملة العلم الكبار نَقَدوا ابن الجوزي في عدم تفّوقه في علم من العلوم، بسبب انشغاله بمطالعة العلوم المختلفة، وعدم اعتكافه على حّل معضلات فنِّ من الفنون! , قال الحافظ الذهبي:"ومع تبحُّر ابن الجوزي في العلوم وكثرة اطلاعه وسعة دائرته، لم يكن مبرزًا في علم من العلوم، وذلك شأن كل من فرق نفسه في بحور العلم، ومع أنه كان مبرزًا في التفسير والوعظ والتاريخ، ومتوسطًا في المذهب، متوسطًا في الحديث، له اطلاع تام على متونه، أما الكلام على صحيحه وسقيمه، فماله فيه ذوق المحدثين، ولا نقد الحفاظ المبرزين" (5) ونَقْدُ الحافظ هنا وجيه لأنَّه خبير بالحديث وعلومه وخباياه، لكن هذا لا يَغَضُّ من قيمة ابن الجوزي، إذ حظه لم يسعفهُ أن يكون محدثًا!!.
لقد نفع الله في الوعظ بابن الجوزي أكثر مما نفع بالذهبي، ونفع الله في الحديث بالذهبي أكثر مما نفع بابن الجوزي. أما قول الذهبي:"فهو كثير الغلط فيما يصنِّفه، فإنَّه كان يصنِّف الكتاب ولا يعتبره" (6) ؛ فهذا صحيح في الجملة لكن لا يسَّلم بهذا في جميع مصنَّفاته، وقد دافع ابن رجب عن ابن الجوزي ونَقَل عنه قوله:"أنا مرتِّب ولستُ بمصنِّف". (7)
(1) "صيد الخاطر": (ص / 18) .
(2) سبط ابن الجوزي:"مرآة الزمان": (8/ 482) .
(3) الذهبي:"تذكرة الحفاظ": (4/ 1344) .
(4) ابن رجب:"الذيل على طبقات الحنابلة": (1/ 415) .
(5) الذهبي:"تاريخ الإسلام": (ص/300) .
(6) المرجع نفسه: (ص/ 301)
(7) ابن رجب:"ذيل طبقات الحنابلة": (1/ 414) .