فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 249

عاش ابن الجوزي سبعًة وثمانين عامًا، لم يضيِّع منها ساعةً واحدةً، بل صرف جُلَّها في تحصيل العلم واقتناص الفوائد ونفع الأمة، وإرشاد النَّاس إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم وأخراهم.

لقد انكبَّ أبو الفرج على الكتب والمكتبات البغداديَّة، يقرأ ويطالعُ ويحفظُ ويَنْسخُ، يَصِلُ الليل بالنهار، والنهار بالليل، يلتُّذ بالكاغد والمحابر ويجد فيها الصديق الحميم والخِلّ الوفي!.

لقد كان ـ رحم الله عظامه ـ يعرف قيمة الزمن وشرف الوقت، ويقدِّر عظِم الأمانة التي نَذَرَ نفسه للقيام بأعبائها، والتفُّرغ لمهامَّها. ولقد وصفه العلاَّمةُ ابن (رجب(ت 795هـ) بأنَّه"شيخ وقته، وإمام عصره" (1) . ولولا عناية الله تعالى ثم عُلو همته لما حصل لابن الجوزي ما ناله من العِلم والفضائل والحظوة، حتى قال العلاَّمةُ الذهبي (ت 748هـ) :"ورأى من القبول والاحترام ما لا مزيد عليه" (2) . ومن بديع كلام ابن الجوزي:"وقد عَرفتُ بالدليل أنَّ الهَّمِةُ مولودة مع الآدمي، وإنما تقصر بعضُ الهِمم في بعض الأوقات فإذا حُثَّت سارت" (3) . وقال:"إنَّ أكثر الإنعام علَّي لم يكن بكسبي، وإنما هو من تدبير اللطيف بي، فإنِّي أذكر نفسي ولي همه عالية، وأنا في المكتب ابن ست سنين، وأنا قرين الصبيان الكبار قد رزقت عقلًا وافرًا في الصغر يٍزيد على عقل الشيوخ" (4) .

لقد قرأ الرجل عشرين ألف مجلد في زمن الطلب فقط، فكم قرأ في وسط عمره وآخره؟!.

ويظهر ـ والله أعلم ـ أن ابن الجوزي كان يختصر الكتب ليحفظها، وربما زاد عليها فوائد من عنده، ويعيد صياغتها، فتكون كتابًا جديدًا، ودليل ذلك أنه وجد له تصنيف بخطِّه وله من العمر سبع عشرة سنًة. وقد تعجَّب العلماء من كثرة مؤلَّفاته حتى قال العلامة الذهبي (ت 748هـ) "وصنَّف شيئًا لو عاش عمرًا ثانيًا، لما لحق أن يحرره ويتقنه". (5)

(1) "الذيل على طبقات الحنابلة": (1/ 399)

(2) "العبر"للذهبي: (3/ 118) .

(3) ابن الجوزي:"لفتة الكبد": (ص/ 32) .

(4) المرجع نفسه: (ص/ 33) .

(5) الذهبي:"سير أعلام النبلاء": (21/ 378) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت